يقول : جاءني بعض الفقراء يوما وأنا بمرو فقال لي : قطعت ) في سفري ( إليك شقة ) أي مسافة ( بعيدة والمقصود لقاؤك فقلت له : كان يكفيك خطوة واحدة لو سافرت عن نفسك ) أي مفارقتك لنفسك وشهواتها بخطوة أقرب إلى نيل مقصودك من أسفارك ببدنك ، فسفر القلوب أفضل وأنفع من سفر الأبدان ، وشرطه ملازمة شيخ عارف بالمطلوب ، وطرق الرياضة الموصلة للمحبوب . ( وحكاياتهم في السفر تختلف على ما ذكرنا من أقسامهم وأحوالهم ، سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : سمعت محمد بن عليّ العلويّ يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول : سمعت أحنف الهمدانيّ يقول : كنت في البادية ) أي الصحراء ( وحدي ) وأنا مسافر للحج ( فأعييت فرفعت يدي وقلت : يا رب إني ضعيف زمن وقد جئت إلى ضيافتك فوقع في قلبي ) حينئذ ( أن يقال لي من دعاك ) أي حملك على هذا فوقع في قلبي جوابه ، وهو حسن ظني بك أن تعينني ، وهو المراد بقوله : ( فقلت يا رب هي ) أي مملكتك ( مملكة ) واسعة ( تحتمل الطفيلي ) وهو من يأتي إلى طعام غيره بلا دعوة ( فإذا ) أي فبينا أنا كذلك إذا ( أنا بهاتف ) ملك أو ولي إنسي أو جني سمعت حسه ( من ورائي فالتفت إليه فإذا ) هو ( أعرابي على راحلته فقال ) لي : ( يا أعجمي إلى أين ) تذهب
شرح
الترقي إلى حظائر هاتيك المقامات . ( قوله : فقلت له : كان يكفيك خطوة واحدة ) فيه إرشاد منه إلى علوّ الهمة وطلب الأنفع في طرق الوصول إلى المحبوب ، ولذلك قيل :
أقرب الطرق الموصلة إلى اللّه تعالى لزوم قانون العبودية والاستمساك بعروة الشريعة الإسلامية ، وقيل أيضا : علائق زهرة الدنيا حجاب يمنع من الوصول إلى ملكوت العلا ، فلو بلغ طفل عقلك الأسد في حجر التأديب ما التفت لكن هو بعد في مهد شغلتنا أموالنا وأهلونا فيا غلام افتح عين عقلك لتلقى عرائس أسرار الأزل ، وانتشق بمشام روحك هبوب نسيم لطائف القدر ، فإنّ اللّه وضع تماثيل الوجود على ساحل بحر الدنيا لامتحان عيون أهل البصيرة وسلم من الالتفات إلى زخرفها أطفال أرواح أقيمت في مهود الثبات ، وربيت في حجر العظمة ، وأرخيت عليها آيات الأمر ، وكوشفت بلطائف مخبآت القدر ، وجليت عليها عرائس الغيب فنشأت على أحسن وجوه المتابعة ، وعلى أتقن طرق الاستقامة رضي اللّه عنهم ورضوا عنه .
( قوله : وشرطه ملازمة شيخ الخ ) أشار به إلى أنّه وإن كان سفر القلب أفضل من سفر البدن إلا أنّه لا بدّ في كل سفر من شيخ عارف مرشد إلى ما به يكون الوصول ، والحاصل أنّ سفر الأبدان لازم للمريدين ، وسفر القلوب من شأن الواصلين والعارفين .
( قوله : إني ضعيف زمن ) بكسر الميم أي لازمني المرض حتى أعياني . ( قوله :
قلت له : لا أدري ) يعني الآن وإلا فهو كان على ثقة من صبره على المشاق حتى جاز له