ملاحظته له ، وشتان ما بين سفر الأبدان وسفر القلوب ، ( فترى ألفا يسافر بنفسه ) أي ببدنه ( وقليل من يسافر بقلبه ) لقلة أرباب الرتب العالية وكثرة غيرهم ، وسفر القلوب لا يستغني عنه مسافر ولا مقيم ، وهو السفر الحقيقي عندهم لأنّه إنما جعل للنقل من الصفات الذميمة إلى الحميدة ، والغرض من سفر الأبدان انقطاع الفقير عن الشهوات في محل الاستيطان واستعانته بمن يلقاه من السالكين على ما يوصله إلى كمال حاله في الأعمال والعرفان والتصوف كما مر هو النقل من الصفات الذميمة إلى الحميدة إلى أن يتفرّغ القلب لكمال المراقبة للّه بحيث يشتغل قلبه به عما سواه .
( سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق رحمه اللّه يقول : كان بفرخك ) بفتح الفاء والراء وإسكان الخاء ( قرية بظاهر نيسابور شيخ من شيوخ هذه الطائفة وله على هذا اللسان ) أي لسان الصوفية ( تصانيف سأله بعض الناس هل سافرت أيها الشيخ فقال ) له : ( تريد سفر الأرض أم سفر السماء سفر الأرض لا وسفر السماء بلى ) سافرته لتعلقه بالمقامات الشريفة التي كانت أخلاقا للأنبياء والأولياء ، وأما سفر الأرض فإنما هو للقاء الصالحين والأخيار وإن كان قد يحصل به ذلك ، ( وسمعته ) أيضا ( رحمه اللّه
شرح
درجة أرباب الكمال . ( قوله : إلى أن يصل إلى مقام التوحيد ) أي الذي يشهد فيه أنّه لا فاعل غيره تعالى وأنّ الأمر كله منه وإليه . ( قوله : وشتان الخ ) أي بون بعيد ما بين سفر الأبدان المجرّد عن التجرّد عن الحظوظ ، وما بين سفر القلوب الذي يثمر رضا المحبوب ، ويفيد لقاء المطلوب . ( قوله : فترى ألفا يسافر بنفسه الخ ) أي ولهذا قال قائلهم :خليليّ قطاع الفيافي إلى العلا * كثير وإنّ الواصلين قليل
وجوه عليها للقبول علامة * وليس على كل الوجوه قبول( قوله : وسفر القلوب لا يستغني عنه مسافر الخ ) أي لأنّ مدار درك الحقائق عليه .
( قوله : والغرض من سفر الأبدان الخ ) أي وذلك لأنّ الراحات مع الإقامة من مواطن دواعي قوة الشهوة . ( قوله : واستعانته بمن يلقاه من السالكين ) أي حيث لا يوجد ذلك في الغالب إلا في القيافي والقفار ، وقد قال تعالى :فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى[ البقرة : 197 ] فتحصل أنّ سفر الأبدان قد يكون من الوسائل إلى سفر القلوب .
( قوله : وسفر السماء بلى ) أي نعم سافرته والمراد بسفر السماء التفكر فيما اشتملت عليه من عجائب مصنوعاته تعالى ، وآثار باهر قدرته تعالى ، ولعل ذكره لما ذكر من باب التحدث بالنعمة أو الإشارة لعلوّ همته لتزيد رغبة المريدين فيه ، ويتم اعتقادهم ليدوم لهم النفع والانتفاع ، واللّه أعلم .
( قوله : لتعلقه بالمقامات الشريفة ) أي التي هي عروج الأرواح في فضاء ميادين ملكوته سبحانه وتعالى . ( قوله : وإن كان قد يحصل به ذلك ) أي حيث هو من أسباب