العافية فكم من مريض في شهوة غمضة من النوم الذي تشكو ) أنت ( منه ) أي فالنوم لك نعمة من اللّه تعالى لأنّه بنية العبادة والمجاهدة ( وقيل : لا شيء أشدّ على إبليس من نوم العاصي ) فإنّه ( يقول : متى ينتبه ويقوم حتى يعصي اللّه ) فنومه رحمة له لأنّه لا يعصي في نومه لأنّه غير مكلف فيه ، ( وقيل : أحسن أحوال العاصي أن ينام ) فإنّه ( إن لم يكن الوقت له ) بأن لم يعمل فيه خيرا ( لم يكن عليه ) لأنّه لم يعمل فيه شرا .
( سمعت الأستاذ أبا علي رحمه اللّه يقول : تعود شاه الكرمانيّ السهر فغلبه النوم مرة فرأى الحق تعالى في النوم ، فكان يتكلف النوم بعد ذلك فقيل له في ذلك : ) أي ما سببه ( فقال :
رأيت سرور قلبي في منامي * فأحببت التنعس والمناما
فكان يحب النوم لهذا الغرض الذي يزيده يقينا واشتغالا بربه ، وفي ذلك دلالة على جواز رؤية اللّه تعالى في النوم ، فالنوم كما قال أقسام : نوم غفلة ونوم عادة ، وهما مذمومان لعدم الحاجة إليهما ، ونوم ضرورة وهو ممدوح للحاجة إليه كما في القدر الذي يتناوله من الطعام لإقامة البنية ، ونوم استعانة على فعل الأفضل كأن ينام أوّل الليل ليقوم آخره مع تمكنه من قيامه أوّله وهو أيضا ممدوح ، ولهذا كان نوم العالم عبادة ، ونوم يجد فيه النائم ما يقوّيه على سلوكه ويجمع همه لنيل مطلوبه ، وهو أيضا ممدوح لما عرفت لكنه وإن كان ممدوحا فالظاهر أنّ اليقظة أفضل منه لأنّ فيها نيل مطلوبه بالمجاهدة ، والنوم إنما فيه ما يحمله ويقويه على مطلوبه ، ( وقيل :
كان رجل ) شيخ ( له تلميذان فاختلفا فيما بينهما فقال أحدهما : النوم خير لأنّ الإنسان لا يعصي اللّه تعالى في تلك الحالة ) لما مرّ ، ( وقال الآخر : اليقظة خير لأنّه يعرف اللّه
شرح
بِاللَّيْلِ[ الأنعام : 60 ] وقوله تعالى :اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها[ الزمر : 42 ] . ( قوله : لأنّه بنية العبادة الخ ) أي ولا تكليف في حالة النوم بل هو حينئذ به مأجور لا مأزور . ( قوله : وقيل : لا شيء أشد الخ ) منه يعلم أنّه لا شيء أشدّ عليه أيضا من يقظة المطيع العابد لأنّه لا يغفل فيها عن عبادة ربه . ( قوله : سمعت الأستاذ أبا علي الخ ) في ذلك تنبيه على أنّ النوم لا يذم لذاته ولا يمدح لها بل الاعتبار في ذلك بالعوارض التي تعرض له وهو كذلك .
( قوله : وهما مذمومان ) أي لما يلزمهما من ضياع الوقت وفوت الثمرات . ( قوله :
ونوم استعانة الخ ) أقول : ذلك هو المثاب عليه من أقسام النوم التي تقدّمت غير نوم الضرورة . ( قوله : ونوم يجد فيه الخ ) أي والثواب على ذلك بحسن النية لا لذاته . ( قوله :
فالظاهر أنّ اليقظة أفضل منه ) أي لأنّ فضيلته بما قارنه من محاسن المقاصد فقط بخلاف اليقظة . ( قوله : فقال الخ ) محصله أنّ الموضوع قد اختلف ، فلا خلاف حينئذ ، وإنما لكل