من يكفيه العطاء ومن لا يرضيه إلا كشف الغطاء ( وقال يحيى بن سعيد القطان :
رأيت ربي في المنام فقلت ) له : ( يا رب كم أدعوك ولا تستجيب لي ) لم يقل ذلك استبطاء للإجابة حتى يقال : إنّه ارتكب ما نهي عنه في خبر « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول : دعوت فلم يستجب لي » وإنما سأله عن سبب ذلك ، ( فقال تعالى : يا يحيى أحب أن أسمع صوتك ) مع أنّ الذي أريده لك خير من الذي تريده لنفسك إذ المقصود من إجابة الدعاء المنفعة التي اختارها لنفسه ، ولا ريب أنّ ما اختاره له ربه أولى في حقه مما اختاره لنفسه ، فالإجابة تختلف بحسب ما يحبه اللّه ويرضاه للداعي ، وقد يكون دعاؤه أنفع له عند اللّه من حصول مطلوبه كما أريد من قصة يحيى ، وفي كل من هذه الحكاية واللتين قلبها دلالة على وقوع رؤية اللّه تعالى في النوم ، ( وقال بشر بن الحرث : رأيت أمير المؤمنين عليا رضي اللّه عنه في المنام فقلت ) له : ( يا أمير المؤمنين عظني فقال : ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء ) بالزكاة وغيرها ( طلبا لثواب اللّه ) تعالى ( وأحسن من ذلك تيه الفقراء ) بكسر التاء الفوقية وإسكان الياء التحتية أي تكبرهم ( على الأغنياء ثقة باللّه ) تعالى وبقربه وبعطاياه ، فلا يذلون لهم لأجل مالهم ، ولا يخضعون لهم طمعا في نوالهم وإنما كان هذا أحسن من ذلك لأنّ ذاك أغراض مع السعة عن بعض ما يملكه وهذا إعراض مع العدم عما هو محتاج إليه ثقة باللّه أن يأتيه به عند دعاء الضرورة إليه ، ( فقلت ) له لما أعجبني هذا الكلام : ( يا أمير المؤمنين زدني ) في الموعظة فدلني على تصغير الدنيا في عينه وتحقيرها في قلبه فأخبرني بأن أصلي من التراب وأنّ اللّه أحياني وكلفني بما يترتب عليه الحساب وسيميتني ويردّني إلى ما كنت عليه ثم يحييني مرة أخرى للوقوف والحساب وغيرهما ، وقد ضمن ذلك شعرا : ( فقال :
قد كنت ميتا فصرت حيا * وعن قريب تصير ميتا
شرح
فكانت عبادته ومحبته لذات اللّه ولجلاله ولعظمته كما أشار إليه خبر « نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه » . ( قوله : لم يقل ذلك استبطاء للإجابة ) أي بل قاله دلالا لإرادة كشف السبب كما أشار إليه الشارح . ( قوله : مع أنّ الذي أريده الخ ) أي بشهادة خبر : « لو اطلع أحدكم على الغيب لاختار الواقع » . ( قوله : بحسب ما يحبه اللّه ) أي بحسب ما يريده على مقتضى سابق حكمته . ( قوله : على وقوع رؤية اللّه ) أي وهو صحيح وثابت . ( قوله :
أي تكبرهم ) مراده به نزاهة نفوسهم وإعراضها عما بأيدي الأغنياء لا حقيقة الكبر والأنفة إذ هو ممنوع شرعا . ( قوله : بأنّ أصلي من التراب ) أي الأصل العنصري العارض ، وإلا فالأصل العدم الكلي . ( قوله : ثم يحييني ) أي حياة النشأة الثانية . ( قوله : قد كنت ميتا ) أي مثله في عدم الحياة فصرت حيا أي بعد التركيب المقيد ونفخ الروح بتأثير اللّه تعالى ،