وإن حملت الرؤيا في كلامه على المرئيات ففيه نظر أيضا فإنّ الخواطر إنما ترجع إلى الأقوال من أمر ونهي وإخبار واستخبار على حسب ما يرد على قلب العبد وهو يقظان ، وأما المرئيات في النوم فهي صور وأشكال وسواء كانت خواطر أم لا فهي إنما تكون ( إذا لم يستغرق النوم جميع الاستشعار فيتوهم الإنسان عند اليقظة ) من نومه ( أنّه ) أي ما يرد على القلب مما ذكر ( كان رؤية في الحقيقة ) أي واقعا في اليقظة ، ( وإنما كان ذلك تصوّرا وأوهاما للخلق تقرّرت في قلوبهم وحين زال عنهم الإحساس الظاهر ) بنومهم ( تجردت تلك الأوهام عن المعلومات بالحس والضرورة فقويت تلك الحالة عند صاحبها فإذا استيقظ ضعفت تلك الأحوال التي تصوّرها بالإضافة إلى حال إحساسه بالمشاهدات وحصول العلوم الضرورية ومثاله ) أي النائم الرائي ( كالذي يكون في ضوء السراج عند اشتداد الظلمة فإذا طلعت الشمس عليه غلبت ) أي الشمس أي ضوءها ( ضوء السراج فيتقاصر نور ) وفي نسخة ضوء ( السراج بالإضافة إلى ضياء الشمس ، فمثال حال النوم كمن هو في ضوء السراج ، ومثال المتيقظ كمن تعالى عليه النهار فإنّ المستيقظ ) من نومه ( يتذكر ما كان متصوّرا له في حال نومه ثم إنّ تلك الخواطر والأحاديث ) أي الأحوال ( التي ترد على قلبه في حال نومه مرة تكون من قبل الشيطان ) فتسمى أحلاما ، ( ومرة عن هواجس النفس ) فترجع إلى ما يتحدّث به الرائي في نفسه فتسمى هاجسا ، ( ومرة تكون بخواطر الملك ) فتسمى رؤيا ، ( ومرة تكون تعريفا من اللّه تعالى بخلق تلك الأحوال في قلبه ابتداء ) فتسمى رؤيا أيضا ، ( وفي
شرح
( قوله : وهذا أولى الخ ) أي لإيهام تعبيره أنّ الخواطر مطلقا هي حقيقة الرؤيا ، وليس كذلك إذ حقيقتها ما قدمه الشارح . ( قوله : فهي صور وأشكال ) أي وهي أعمّ من الخواطر . ( قوله : إذا لم يستغرق الخ ) أي أما إذا استغرق جميع الاستشعار فلا توجد الرؤيا لعدم متعلقها . ( قوله : فيتوهم الإنسان الخ ) توضيح لما قدمه من بيان حقيقة الرؤيا .
( قوله : وإنما كان ذلك الخ ) محصله أنّ استشعار النائم بالصورة المخيلة له في حالة النوم أضعف منه بها بعد تيقظه من نومه ومثاله موضح لهذا الذي أشرت إليه وعوّلت في البيان عليه ، وتوضيح ذلك أنّ إدراك النائم لما يخلقه اللّه في قلبه من الأشياء في حالة نومه أضعف من إدراكه لما يشاهده في حالة يقظته من تلك الأشياء .
( قوله : ثم إنّ تلك الخواطر الخ ) شروع في تقسيم الرؤيا إلى شيطانية وحديث نفس ورحمانية . ( قوله : ومرة عن هواجس النفس الخ ) أي وهي مختلفة فهي أمارة ولوّامة ومطمئنة وراضية ومرضية وحديث كل على حسب شربه ومقامه . ( قوله : ومرة تكون بخواطر الملك الخ ) أفاد أنّ حقيقتها هي ما تكون بالخواطر أو بخلق الأحوال في قلب العبد ابتداء لا غير . ( قوله : وفي الخبر الخ ) أي فهو يشير إلى أنّ قوّة صدق الرؤيا تابع