( وقال رويم : لا زالت الصوفية بخير ما تنافروا ) بأن ينبه بعضهم بعضا على نقصه ، ويحركه عند غفلته بحيث ينفر عنه لذلك ، ( فإذا اصطلحوا ) واستمرّوا على ما عليه أكثر الخلق من الفتور والكسل ( فلا خير فيهم ) بل يفسد حالهم وكانوا أهل صلح على دخل . ( وقال الجريريّ : التصوف مراقبة الأحوال ولزوم الأدب ) لأنّ السالك مبتدىء ومنته فالمبتدىء يراقب أعماله لتقع على وجهها ، والمنتهي صار شغله المراقبة لأحوال قلبه التي ينشئها الحق فيه من الطرب والهرب واللهب والمحبة والشوق وغيرها من أحوال قلبه فهو يتأدب في كل حال مع ربه بما يليق به .
( وقال المزين : التصوف الانقياد للحق ) أي سرعة قبول العبد له والرجوع إليه ، وتحمل أعبائه من غير كلفة ، ( وقال أبو تراب النخشبيّ : الصوفيّ لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء ) لأنّه لا أثر في قلبه للدنيا التي أكثر الكدر فيها وإن منعه ربه في بعض الأوقات ما تعلق قلبه به من الخيرات فرضاه باختيار مولاه له يزيل عنه المؤلمات ، ورؤيته وكلامه يزيلانها عن غيره ويخففان عنه ما ابتلي به .
( وقيل : الصوفي لا يتعبه طلب ) لأنّ محبته لربه تحمله على الطلب والعمل له ،
شرح
طرق الوصول إليه تعالى . ( قوله : لا زالت الصوفية بخير الخ ) مراده أنّهم دائما في الإرشاد ، وتنبيه المقصر فإذا فتروا عن ذلك فقد خرجوا عن معنى التصوّف .
( قوله : وكانوا أهل صلح على دخل ) أي دخل بالغش والخيانة بعدم النصيحة .
( قوله : لأنّ السالك مبتدىء الخ ) ذكره تكميلا للفائدة وإلا فالقصد المنتهى إذ هو من يراعي أحوال القلوب نعم يقال : أنّ له مراعاة أحوال كذلك على حسبه . ( قوله : من الطرب الخ ) أي فهو دائما بين الرجاء والخوف يتقلب بينهما . ( قوله : وتحمل أعبائه ) أي مشاقه ، وذلك بالنسبة لغيره كما يفيده قوله : من غير كلفة . ( قوله : الصوفي لا يكدره شيء ) أي لأنّه لا محل فيه للكدر ، ولا غيره لفنائه عن نفسه ، وهو غير بعيد فقد قيل : لما شهد أهل النقول . ما وراء العقول قالوا : ليس هذا في الأسفار فأنشدهم العارف حكمة الأشعار جاه الشريعة تنفيذ أقوالها بالأحكام ، وجاه الحقيقة صولة أهلها بالحال على الحكام ( شعر ) :تركت أساطيرا تنم لمن وشى * بما قلته عنه وتشهد بالزور
يؤولها الواشي بما لا أريده * وتظهر دعواه بظاهر مسطور( قوله : ويصفو به كل شيء ) أي وذلك لأنّ رؤيته تشرق في أعين بصائر القلوب الأنوار ومراقبة أقواله وأحواله تدل على الواحد القهار .
( قوله : الصوفي لا يتعبه طلب ) أي مطالبة لقيامه على نفسه بأداء ما طلب منه وجوبا