تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
يسعطك الخل والخردل ، وذلك لأنّ العارف أكثر إشاراته لما ناله من الفوائد والألطاف ، وبكلامه وسماع أحواله مع الحق توجد الراحات ، والزاهد أكثر كلامه في عيوب النفس وآفاتها وطرق مجاهداتها في نقلها عن سوء عاداتها ، وهذا مؤلم للنفوس . ( وقال الشبليّ : الصوفي منقطع عن الخلق متصل بالحق ) بأن غلب ذكره على قلبه ، وكمل اشتغاله بربه حتى أنساه ذلك نفسه فضلا عن غيره ( كقوله تعالى ) لموسى عليه الصلاة والسلام :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
[ طه : 41 ] أي اختصه بخصائص قربه بحيث ( قطعه عن كل غير ) لما وصل إلى هذه الدرجة الرفيعة ، واشتاق لرؤيته وسأل فيها بقوله :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ
إليك ( ثم قال له :
لَنْ تَرانِي
) [ الأعراف : 143 ] كمالا في تحريك الشوق ودوام القلق ( وقال ) أيضا : ( الصوفية أطفال في حجر الحق ) أي فقراء عاجزون تركوا النظر لأنفسهم ، وسلموا أمرهم لباريهم يربيهم بلطفه ويتحفهم ببره . ( وقال ) أيضا : ( التصوف برقة محرقة ) من حيث أنّ الصوفي لما فرغ من مجاهداته صار قلبه محلا لطروق الأحوال ، فهو في دوام الخوف والقلق بحسب ما يطرق عليه قلبه من الحق ، وينشئه فيه من الأحوال الغالبة ، ( وقال أيضا : هو ) أي التصوف ( العصمة ) أي عصمة العبد ( عن رؤية الكون ) أي العالم المشاهد بأن يحفظ اللّه عن رؤية ذلك رؤية استحسان له ، ومحبة وسكون إليه لا رؤية علم .
شرح
( قوله : الصوفي منقطع عن الخلق ) أي منقطع عنهم بقلبه ، وإن خالطهم بجسمه ، ثم ويؤيده أنّه طال صمت حكيم ، فقيل له : الصمت ذميم فاعتذر عن حاله بحكمة قاله ، شعر :قالوا نراك كثير الصمت قلت لهم * ما طول صمتي من عيّ ولا خرس أأنثر الدر فيمن ليس يعرفه * أم أنشر البز بين العمي في الغلس( قوله : كمالا في تحريك الشوق ) أشار بذلك إلى أنّ منعه لم يكن حرمانا بل لأجل زيادة الترقي بملازمة باب العطاء والمكارم الإلهية ، وهو غاية الحسن . ( قوله : الصوفية أطفال في حجر الحق ) أقول : وإن كان المعنى الذي ذكره الشارح مقبولا غير أنّه في التعبير هجوم بالنسبة لمن قصرت منه الفهوم . ( قوله : التصوّف برقة محرقة ) يحتمل أنّ المعنى على ما قاله الشارح : ويحتمل أنّه عبارة عن نيران أشواقه بسبب لذة قربه بطاعته ومناجاته . ( قوله : فهو في دوام الخوف ) أي الخوف من السقوط عما وصل إليه من المقامات . ( قوله : هو العصمة ) أي الحفظ من رؤية الكون على معنى أنّ قلبه ارتحل عنه بالتوجه إلى مكونه يحيث لم يبق فيه متسع إلى الاعتماد والاستناد ، وإلا فالمراد الحفظ مما غاب وحضر كما لا يخفى . ( قوله : لا رؤية علم ) أي لأنّ رؤيته له من جهة العلم أمر لازم ونعت حق إذ هو من