لينتقل منها إلى الحميدة ، ( وقال أيضا : أقبح من كل قبيح صوفي شحيح ) لأنّ شحه بالدنيا دليل على حبه لها ، وشحه بأعمال الآخرة دليل على قلة رغبته فيها .
( وقيل : التصوف كف فارغ وقلب طيب ) لأنّ ذلك يدل على كمال زهده وتوكله ورضاه بما أجراه عليه مولاه . ( وقال الشبليّ : التصوف الجلوس مع اللّه بلا هم ) وهذا قريب مما قبله لأنّ من قوي زهده وتوكله ورضاه كان مع اللّه بلا هم في أمر آخرته ودنياه لعلمه بحسن اختيار ربه له ما يراه .
( وقال أبو منصور : الصوفيّ هو المشير عن اللّه تعالى ) لما ناله من الفوائد والألطاف ، ودوام نظره إلى ربه بعد تخلصه من نفسه ( فإنّ الخلق ) المستقيمين ( أشاروا إلى اللّه ) وطلبوا منه العون على ما هم بصدده حمل أنفسهم على استقامتها ونقلها عن عوائدها الذميمة ، وندمهم على ما كان منها من التقصير ، وذلك لأنّ كل قلب تكون إشارته بما غلب عليه ، وعنه يعبر لسانه ، فمن كان دأبه النظر إلى اللّه لشغله به فهو الصوفي العارف به ، ومن كان مع الحق وتدبير نفسه ونقلها عن عوائدها الذميمة فهو يكابد نفسه ، ويشير إلى ربه ويسأله العون عليها ، وعلى استقامتها ، وهذا حال أكثر الخلق المستقيمين ، ولذلك قيل : العارف يشمك المسك والعنبر ، والزاهد
شرح
بالنسبة للمريدين وإلا فقد لا تسبق كدورة أصلا بالعصمة أو بالحفظ . ( قوله : صوفي شحيح ) أي شحيح بكسبه أو بنسفه ، فالآخذ بالتصوّف يلزمه الجود بالمال والنفس طلبا لمرضاة الحق تعالى ، فإذا كان شحيحا بهما دل ذلك على غاية قبحه حيث أظهر خلاف ما أبطن ، فكان منه لسان الحال ينادي ببهتان المقال .
( قوله : وقيل : التصوّف كف فارغ ) المراد عدم تعلق القلب بشيء سواه تعالى ، وإن لابس المال من وجهه وأخرجه على وجهه ، وقوله : وقلب طيب أي متجرّد من الأخلاق الذميمة متحل بالحميدة . ( قوله : التصوّف الجلوس مع اللّه الخ ) المراد ملازمة الطاعة ابتغاء وجهه تعالى محبة وإجلالا . ( قوله : الصوفي هو المشير عن اللّه تعالى ) أي بواسطة زيادة أنوار قلبه ، وتكرر وأرادت فكره فهو من صفا قلبه ، ورقت زجاجة سره لا تحرّك لسانه إلا بعد استفساره ، فكان ممن عنى سيد الكائنات بقوله : استفت قلبك .
( قوله : أشاروا إلى اللّه ) أي عولوا في كل أمورهم عليه . ( قوله : وعنه يعبر لسانه ) أي لأنّه يترجم عما أودعه اللّه في السرائر . ( قوله : فمن كان دأبه النظر إلخ ) الغرض الفرق بين العارف المشير عن اللّه والمستقيم المشير إليه ، وأن الأول أشرف مقاما من الثاني .
( قوله : ولذلك قيل : العارف الخ ) أقول : العارف المذكور يناسب حاله المتوسطين في السير ، والزاهد يناسب حاله المبتدئين فيه ، وذلك لكون العارف دائما في مقام البسط بالأنس ، والزاهد في مقام القبض في النفس ، تدبر تفهم واللّه أعلم .