تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
التوكل ) أي عزمت عليه ( لئلا يكون سعيي اعتمادا على الشبع زادا أتزوّده ) لا على اللّه فاستحياؤه لكونه مع عزمه أنّه معتمد على ربه خشي أن يكون من الكذابين لكونه اعتمد على شبعه ، ففيه دليل على كمال معرفته باللّه ، ودوام مراقبته له . ( وسئل حمدون عن التوكل ، فقال : تلك درجة لم أبلغها بعد ، وكيف يتكلم في التوكل من لم يصح له حال ؟ ) أي غلبة حال ( الإيمان ) على قلبه ، وهذا من باب الإشفاق على النفس بأن يخشى عليها أنه إن ذكرت شيئا من المقامات وفهم عنها أنّه حالها ، ولم تكن كذلك كان سببا لمنع اللّه إياها ذلك المقام ، ( وقيل : المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا يأوي إليه ) مما ينفعه أو يضره ( إلا ثدي أمه كذلك المتوكل لا يهتدي ) في أموره إلى شيء ( إلا إلى ربه ) . روي ( عن بعضهم قال : كنت في البادية فتقدمت القافلة ، فرأيت قدامي واحدا فتسارعت ) إليه ( حتى أدركته ، فإذا هي امرأة بيدها عكازة ) وفي نسخة ركوة وعكازة ( تمشي على التئدة فظننت أنها أعيت فأدخلت يدي في جيبي فأخرجت ) لها عشرين درهما فقلت لها ( خذيها وامكثي حتى تلحقك القافلة فتكتري بها ما تركبيه ثم ائتيني ) وفي نسخة تأتيني ( الليلة حتى أصلح أمرك فقالت بيدها هكذا في الهواء فإذا في كفها دنانير فقالت لي : أنت أخذت الدراهم من الجيب ، وأنا أخذت الدنانير من الغيب ) وجه تعلق ذلك بالتوكل بالنسبة للمرأة ظاهر وبالنسبة للرجل أنّه متوكل حيث دفع لهذه المرأة في مثل هذه البرية عشرين درهما ووعدها بأن يصلح من حالها زيادة ، وحسن اعتماده على ربه بأن يعوضه عن ذلك ، وازداد يقينا بما أخذته المرأة من الغيب ، ( ورأى أبو سليمان الداراني بمكة رجلا لا يتناول شيئا إلا شربة من ماء زمزم فمضى عليه أيام ) وهو كذلك ، وكان يكتفي به اعتمادا
شرح
اللّه تعالى » الخ ) أقول : ذلك منه من باب الإشفاق على النفس واتهامها في دعوى المقام فخشي من اعتماد نفسه في حالة دخوله الصحراء ما حصلته من الشبع ، فتكون قد سكنت واعتمدت على غير اللّه تعالى ، وهذا شأن أولي الحزم والتمكين في الأعمال ، ومن هذا القبيل ما يأتي بعد هذا عن حمدون رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين . ( قوله : وهذا من باب الإشفاق الخ ) أي سترا لحاله وحملا للسامع على أن لا يكون حاله نقل عبارات ذوي المقامات بل التخلق بما به نيل الكرامات . ( قوله : فإذا هي امرأة الخ ) فيه تنبيه على أنّ الفضل مواهب لا يختص بذكر ولا أنثىذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ[ المائدة : 54 ] . ( قوله : بالنسبة للمرأة ظاهر ) أي لأجل عدم قبولها منه شيئا وثوقا بالكفاية على حسب وعد الحق سبحانه وتعالى . ( قوله : فقال أبو سليمان : الخ ) أي والغرض الإرشاد لطرق قطع علق القلب من غير الحق سبحانه وتعالى عسى أن يترقى لدرجة الكمال ، وذلك منه بذلا للنصيحة مع الإخوان كما هو شأن الكامل منهم .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 99 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على