الحركة ) أي الكسب ( فقد طعن في السنة ) أي سنة اللّه ورسوله فإنّها جرت بذلك كحفر الخندق ، ولبس الدرع ، وتحصن المسلمين وحمل الأزواد في الأسفار ، وقد قال اللّه تعالى :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ
[ الأنفال : 60 ] وتقدم أن الحركة بالظاهر لا تنافي التوكل ( ومن طعن في التوكل ) وقال : إنّ المقدر يحصل بفعل اللّه وبفعل غيره ( فقد طعن في الإيمان ) باللّه حيث أشرك معه في الفعل غيره ، فالفاعل إنما هو اللّه والخلق ممتثلون أمره ناظرون إلى قدره في كسبهم ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول : سمعت جعفرا الخلدي يقول :
قال إبراهيم الخواص : كنت في طريق مكة فرأيت شخصا وحشيا فقلت : ) هو ( جني أم أنسي ؟ فقال : جني ) وكان مؤمنا ( فقلت : ) له : ( إلى أين ) تذهب ؟ ( فقال : إلى مكة فقلت : بلا زاد فقال : نعم ) ولا استبعاد إذ ( فينا ) أيضا كأنتم أيها الأنس ( من يسافر على التوكل ) أي معتمدا على اللّه لا على غيره ( فقلت أيش التوكل فقال : الأخذ من
شرح
( قوله : من طعن في الحركة ) أي في العمل بالأسباب والخلق في الطعن ولم يفصل فقد طعن في السنة أي في الطريقة المحمدية ، وذلك لأنّ الحق التفصيل بين حركة لم يصاحبها اعتماد على السبب بل كان معها تفويض إليه سبحانه وتعالى وبين ما إذا كان معها اعتماد على السبب وعدم تفويض ، فالأولى محمودة ، والثانية مذمومة ، ويدل لما ذكرناه قول المهدوي : من لم يكن في دعائه تاركا لاختياره راضيا باختيار الحق تعالى له فهو مستدرج اه .
فحينئذ ينبغي للإنسان الأخذ بالأسباب امتثالا مع عدم الاعتماد عليها بل مع التفويض لما يجريه الحكيم إيمانا إذ لا منافاة بين الحركة والتفويض . ( قوله : وقد قال اللّه تعالى :وَأَعِدُّوا لَهُمْ[ الأنفال : 60 ] الخ ) أي فأفادت الآية الكريمة طلب الأخذ بالأسباب ومقتضى الإيمان باللّه عدم الاعتماد على غيره تعالى ، فحينئذ يعلم أنّه لا منافاة بين التوكل المطلوب ، والأخذ بالأسباب المندوب .
( قول : لا تنافي التوكل ) أي لأجل اختلاف محليهما إذ الحركة بالجوارح والتوكل بالقلوب . ( قوله : وبفعل غيره ) أي بقدرة خلقها اللّه تعالى فيه ، وإلا بأن قال : بفعل غيره تعالى استقلالا كان كافرا ، والعياذ باللّه تعالى . ( قوله : فقد طعن في الإيمان ) أي لأنّ مقتضى الإيمان اعتقاد أن لا فاعل غيره تعالى في شيء من الأشياء . ( قوله : فقال جني الخ ) فيه دلالة على وقوع رؤية الجن من بني آدم وظهورهم عليهم ، ولا استبعاد فيه ، ولا استحالة لأنّه جائز التشكل بغير الصورة الأصلية ، وفيه دلالة أيضا على إيمان بعضهم ، ويرشد إليه قوله جل شأنه :إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً[ الجن : 1 ] . ( قوله : ولا استبعاد ) أي لأنّ المحبة تدني البعيد وتسهل الصعب . ( قوله : إذ فينا الخ ) أي لأنهم مكلفون وفيهم