على أنّه لما شرب له كما جاء في الحديث ( فقال ) له ( أبو سليمان يوما : أرأيت لو غارت زمزم أيش كنت تشرب ؟ فقام وقبل رأسه وقال : جزاك اللّه خيرا حيث أرشدتني ) إلى ما هو الأكمل ( فإني كنت أعبد زمزم ) أي متعلقا بها ساكنا إلى غير اللّه ( منذ أيام ومضى ) عن ذلك إلى ما هو الأكمل ، وهذا من أكمل الإنصاف ، والتواضع ، والانقياد إلى الحق ، وتوبيخ النفس على السكون لغير اللّه ، وعلى القنع بحاله الذي هو فيه ، وعلم بما ذكر أنّ للّه أن يؤدب الرجال بالنساء ليعلم كل صادق أنّ ألطاف اللّه ونعمه لا تنحصر في جهة ( وقال إبراهيم الخواص : رأيت في طريق الشام شابا حدثا ) بفتح الدال تأكيد لما قبله ( حسن المراعاة فقال لي : هل لك في الصحبة فقلت : إني أجوع ) اعتمادا على ما عودني اللّه به من اللطف والقوّة ( فقال ) له ( الشاب : إن جعت جعت معك فبقينا أربعة أيام ) لم نأكل شيئا ( ففتح علينا بشيء فقلت ) له : ( هلم ) أي تعال كل ( فقال ) لي ( اعتقدت ) أي عزمت ( أن لا آخذ بواسطة ) وأنت واسطة فقلت له ( يا غلام دققت ) في الكلام في التوكل ( فقال لإبراهيم لا تتبهرج ) أي لا تطريني بالمدح ( فإنّ الناقد بصير ) وأنا لست بمدقق لأني في أول المقام لا في أعلاه ، وكيف أكون مدققا بمجرّد عدم أخذي بواسطة ( مالك والتوكل ثم قال : أقل ) درجات ( التوكل ) وهو أولها ( أن ترد عليك موارد الفاقات ) أي الحاجات ( فلا تسمو ) أي تعلو ( نفسك إلا إلى من إليه الكفايات ) وهو اللّه تعالى ، وفي ذلك دلالة على أنّ اللّه أرى إبراهيم مع كمال قوته ورفعة حاله من حاله أقوى من حاله ليتزايد في حاله ، ويتأدب مع ربه ، وفيه دلالة على أنّ للّه أن يؤدب الكبار بالصغار في السن كما مر نظيره في حكاية المرأة .
( وقيل : التوكل نفي الشكوك ، والتفويض إلى مالك الملوك ) أطلق التوكل على التفويض كما يطلق على التسليم وإن كانا أعلى منه كما مر لأنّهما من ثمراته ، واعتبر نفي الشك لأنّ التوكل إنما يكون عن قوّة اليقين ، وهو بعيد عن الشك . ( وقيل :
شرح
( قوله : فقام وقبل رأسه الخ ) أي لأنّ نفسه كانت ساكنة إلى ذلك ، وهكذا جدهم وشدة طلبهم لتحصيل رتبهم وتمكين مقاماتهم التي ندبهم إليها مليكهم ، فلا يسكنون إلى سبب من الأسباب ولا يزالون عاكفين على الباب هاربين من كل شغل عنه أو حجاب جعلني اللّه وإياكم منهم ، ولا أبعدني وإياكم عنهم إنّه جواد كريم .
( قوله : وعلم بما ذكر أنّ للّه الخ ) أقول : تأخرت هذه العبارة من تقديم ، فحقها أن تذكر عقب قصة المرأة قبل هذه ، فقوله : أنّ يؤدب الخ أي وأن يرشد إلى الأعلى مما عليه الإنسان على لسان بعض العبيد المقربين .