( وسمعته ) أيضا ( يقول : التوكل ) أي الكامل ( صفة الأنبياء ) جميعهم وإن اختص بعضهم بصفة كما قال : ( والتسليم صفة إبراهيم عليه السلام ) لما مرّ له مع جبريل ( والتفويض صفة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ) قال تعالى :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
[ البقرة : 253 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » « 1 » وقد ثبت له الشفاعة والمقام المحمود دون غيره . ( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه الفرغاني يقول : سمعت أبا جعفر الحداد يقول :
مكثت بضع عشرة سنة أعتقد التوكل ) على اللّه أي عقدته على نفسي ( وأنا أعمل في السوق وآخذ كل يوم أجرتي ، ولا أنتفع منها بشربة ماء ، ولا بدخلة حمام ، ولكن كنت أجيء بأجرتي إلى الفقراء في الشونيزية ) وأفرقها عليهم ( وأكون مستمرا على حالي ) هذا مقام بالغ في التوكل لأنّ من عرف بالكسب والاستغناء عنه بالنسبة لمن يعلم أنه يفرقه ، وبه بالنسبة لا يعلم ذلك انصرف الناس عن مساءلته بشيء من الدنيا ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد اللّه بن شاذان يقول : سمعت الخواص يقول : سمعت الحسين أخا سنان يقول : حججت أربع عشرة حجة حافيا على التوكل ) أي متوكلا على اللّه ( فكان يدخل في رجلي شوكة ، فأذكر أني قد اعتقدت التوكل ) على اللّه أي عقدت ( على نفسي ) وفي نسخة اعتقدت على اللّه ( فأحكها ) أي الشوكة ( في الأرض وأمشي ) ولا أشتغل بإخراجها ، وهذا ظاهر في الشوك الخفيف الذي لا يضره ، وإلا فليس له إهماله ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول :
سمعت محمد بن عبد اللّه الواعظ يقول : سمعت خير النساج يقول : سمعت أبا حمزة يقول : إني لأستحيي من اللّه تعالى أن أدخل البادية ، وأنا شبعان ، وقد اعتقدت
شرح
الدرجة ، وإلا فهم في أنفسهم خواص . ( قوله : التوكل أي الكامل الخ ) أي وإلا فأصل التوكل ثابت لغيرهم من البشر ، فكل تكلم بحسب شربه وذوقه . ( قوله : والتفويض صفة نبينا ) أي خلقه ومقامه وحاله . ( قوله : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) أي والشيء إذا أطلق إنما يتبادر منه الفرد الكامل فحينئذ المراد السيادة في كل مقام وحال ، وبذلك يتم المقصود .
( قوله : يقول مكثت الخ ) أقول : ذكره ذلك من قبيل التحدث بالنعمة ، أو بقصد أن يقتدي به غيره . ( قوله : لأنّ من عرف بالكسب الخ ) محصله أنّ هذا الأستاذ استعمل طريق ستر حاله عن غيره اعتمادا على ربه تعالى .
( قوله : فأذكر أني الخ ) أي والاشتغال بإخراجها ينافي كمال توكله . ( قوله : وإلا فليس له إهماله ) أي بدليل « إنّ لبدنك عليك حقا » الحديث . ( قوله : « إني لأستحيي من
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ( سنة 13 ) وابن ماجة ( زهد 37 ) وأحمد بن حنبل ( 1 ، 5 ) .