معرفته . ( وقيل : التوكّل الثقة بما في يدي اللّه تعالى ، واليأس عما في أيدي الناس ) هذا سبب التوكل الذي هو الاعتماد على اللّه لا نفسه ، ( وقيل : التوكل فراغ السر عن التفكر في التقاضي في طلب الرزق ) هذا من ثمرات التوكل لا نفسه ، فإنّ من توكل على اللّه ولم يلتفت إلى غيره من الأسباب استراح قلبه من هم الاكتساب ، وإن أمر بالاكتساب . ( وسئل الحرث ) المحاسبيّ ( رحمه اللّه عن المتوكل هل يلحقه طمع ؟
فقال : يلحقه ) في ابتداء تخلقه بمقام التوكل ( من طريق الطباع ) الناشئ من عادته المتقدّمه ( خطرات ) من الطمع ( ولا تضره شيئا ويقويه على إسقاط الطمع ) بالكلية حتى الخطرات ( اليأس مما في أيدي الناس ) وإذا قطع يأسه مما في أيديهم اعتمد بقلبه على من يتفضل عليه وعليهم . ( وقيل : جاع النوريّ في البادية ) عشرة أيام ( فهتف به هاتف ) أي صاح به صائح فقال له : ( أيما أحب إليك سبب ) من الأسباب المعتادة ( أو كفاية ) وقوّة بأن يخرق اللّه لك العادة فيما يغنيك عن الطعام والشراب زيادة على ما قواك وأغناك ( فقال ) له : الأحب إليّ ( الكفاية ) التي ( ليس فوقها نهاية ) أي : بالنسبة لحاله وإلا فغيره قد رزقه اللّه من الصبر عن الطعام والشراب أكثر من صبره المذكور في قوله ( فبقي ) بعد ذلك ( سبعة عشر يوما لم يأكل ) شيئا ، ( وقال أبو علي الروذباري : إذا قال الفقير بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق ومروه بالعمل والكسب ) لأنّ ذلك يدل على عدم كمال شغله باللّه وعدم صبره ، وشدّة ميله إلى الطعام ومن هذه صفته بقاؤه مع سببه وانتقاله شيئا فشيئا عن عاداته أولى من خروجه عما بيده جملة ، وتقدمت الإشارة إلى هذا مع الإشارة إلى أنّه ينبغي للعبد أنّ لا يخلي نفسه عن السبب الشرعيّ كحمل الزاد في الأسفار إلا إذا رزقه اللّه الصبر عن الطعام والشراب مدة يستغني فيها عن الناس وسؤالهم . ( وقيل : نظر أبو تراب النخشبي إلى صوفيّ مد يده إلى قشر بطيخ ) مرمي في التراب ( ليأكله ) بعد ثلاثة أيام لم يأكل فيها شيئا ( فقال له : لا يصلح لك التصوف إلزم السوق ) لما مرّ آنفا ، ( وقال أبو يعقوب الأقطع البصري : جعت مرة بالحرم عشرة أيام فوجدت ضعفا ) ببدني من
شرح
أي بما في تقديره على حسب سابق علمه وحكمته . ( قوله : من همّ الإكتساب ) أي من هم السكون إليه والاعتماد عليه . ( قوله : هل يلحقه طمع : الخ ) فيه بشرى بأنّ الخطرات في ابتداء السير ببقايا الطبع لا تؤثر في الضرر بل تزول بقوة الحال في دوام السلوك . ( قوله :
وقيل : جاع النوري الخ ) في ذلك إشارة إلى أنّ العبد قد يرزق قوّة الطاعم والشارب بكفاية اللّه تعالى ، ولا مانع منه إذ كل من السبب والمسبب بإيجاد اللّه تعالى .
( قوله : فألزموه السوق ) أي لأنّه لم يستعمل طريق التجرد في القيام على النفس