يأكلون لحومهم ) وقال : هم الذين يكثرون أكل اللحم كما كان عمر رضي اللّه عنه ينهى عن مداومة أكل اللحم خوفا من تعود الشهوات والإسراف في النفقات ، ولأنّ أهل الدين والعلم قلما يكونون كثيري اللحم والسمن ، فإنّ السمن غالبا إنما يكون عن كثرة الأكل ، وكثرة الأكل تكون عن الغفلة والتمتع بالشهوات ، وهذا المعنى ليس مرادا هنا . ( وذكرت الغيبة عند ابن المبارك فقال : لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت والداي لأنهما أحق بحسناتي ) لانتفاعهما بها ، فيه زجر عن الغيبة ، وإنها تضر في الدنيا والآخرة . ( وقال يحيى بن معاذ ) مخاطبا الخطاب العام ( ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال إن لم تنفعه فلا تضره ، وإن لم تسره فلا تغمه ، وإن لم تمدحه فلا تذمه ) المقصود طلب عدم الأذية بالغيبة وغيرها ، وفيه إشارة إلى أنّه ينبغي للعبد أن يكون نافعا لغيره كالملائكة لا ضارا كالشياطين والحيات ونحوهما .
( وقيل للحسن البصريّ : إنّ فلانا اغتابك فبعث إليه طبق حلواء ، وقال : بلغني أنّك أهديت إليّ حسناتك فكافأتك ) بذلك هذا من أحسن التأديب والإرشاد إلى ترك الغيبة فإنّه نبهه بذلك على أنّه أهدى إليه أحسن ما عنده مما ينتفع به في الآخرة فكافأه على ذلك من طيبات الدنيا ، وهي الحلواء ، وبعضهم فعل أتم من ذلك بلغه أنّ رجلا آغتابه فقال : واللّه لأغيظن من أمره بذلك ، فقيل : ومن أمره بذلك فقال : الشيطان ، ثم قال : اللهم اغفر له فلم يرض بأنّه يكافئه بالعفو عنه فقط بل سأل اللّه له المغفرة ليتخلص من ذنبه ، ويغيظ عدوه الذي أمره بذلك . ( أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصريّ قال : أخبرنا أحمد بن عمرو القطواني قال حدثنا سهل بن عثمان العسكريّ قال : حدثنا الربيع بن بدر عن أبان عن أنس بن مالك
شرح
قبله ، وإنما ذكره للمبالغة في التنفير . ( قوله : خوفا من تعود الشهوات والإسراف في النفقات ) أي وذلك خروج عما هو الأفضل في حق العبد المكلف من التقلل في الدنيا اقتداء بسيد الكائنات ، ففي ذلك أجر الاقتداء بالسيد الكامل مع ما ينضاف إلى ذلك من التفرغ للعبادة بالنشاط وجمع الهمة لعدم الشواغل ، وما يوجب التثاقل والتكاسل من التوسع . ( قوله : وهذا المعنى الخ ) أي وإن كان منقولا وواردا . ( قوله : فقال : لو كنت مغتابا أحدا الخ ) المراد إفادة البعد عن الغيبة مطلقا ، وعلى الفرض البعيد لو اتفقت الغيبة لخصت بالوالدين لأنّهما الأحق بالحسنات من الولد . ( قوله : ليكن حظ المؤمن منك الخ ) أي فأقل درجة للمؤمن ما ذكره ، وإلا فالكامل ينفع الأخ ويسره ويثني عليه الخير . ( قوله :
فبعث إليه طبق حلو الخ ) أقول : يدل ذلك منه على زيادة عمله وقوّة يقينه وفنائه عن نفسه ، وبلوغه أعلى درجة في الإرشاد ، ومحبة الخير لإخوانه المؤمنين . ( قوله : وبعضهم فعل أتم من ذلك ) أقول : وجهه غني عن الإيضاح فهو مقام رفيع ودرجة عالية ومحبة خير