( يرمي به حسناته شرقا وغربا ) حيث ( يغتاب واحدا خراسانيا ، وآخر شاميا ، وآخر حجازيا ، وآخر تركيا ) وآخر غير ذلك ( فيفرق حسناته فيقوم ولا شيء معه ) منها لأنّ الناس يقتص من بعضهم لبعض مظالم كانت بينهم في الدنيا بالحسنات والسيئات ، فمن عليه حق أخذ من حسناته ، فإن فنيت وضع عليه من سيئات من له الحق ، فالذي يغتاب الناس من كل قطر يفرق حسناته يمينا وشمالا . ( وقيل : يؤتى العبد يوم القيامة كتابه فلا يرى فيه حسنة فيقول : أين صلاتي وصيامي وطاعتي فيقال : ذهب عملك كله باغتيابك الناس ) لما مر آنفا . ( وقيل : من اغتيب بغيبة غفر اللّه له نصف ذنوبه ) لأنّ العبد إذا فعل معصية كان عليه إثمها كاملا ، فإن اغتيب بها نقص إثمها لما حصل له من الأجر باغتياب من اغتابه ، وجعل النقص نصفا لأنّه أعدل . ( وقال سفيان بن الحسن : كنت جالسا عند إياس بن معاوية فنلت من إنسان ) أي اغتبته ( فقال لي : هل غزوت في هذا العام الترك والروم فقلت : لا ، فقال : سلم منك الترك والروم وما سلم منك أخوك المسلم ) فيه تأديب حسن ، وإرشاد إلى تغيير المنكر في الغيبة على الفور ، فإنّه لو قال له : إنّك مغتاب ربما نفرت نفسه منه . ( وقيل : يعطى الرجل كتابه فيرى فيه حسنات لم يعملها فيقال له : هذا بما اغتابك الناس ) أي باغتيابهم لك ( وأنت لم تشعر ) بذلك ، فيه دلالة على أنّ حسنات المغتاب تنقل إلى صحيفة من اغتيب .
( وسئل سفيان الثوري ) عن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه يبغض أهل البيت اللحمين » بكسر المهملة أي كثيري اللحم فقيل : من هم ( فقال : هم الذين يغتابون الناس فكأنهم
شرح
المكي : من شهد الدنيا بأوّل وصفها لم يغتر بآخره ، ومن عرفها بباطن حقيقتها لم يعجب بظاهرها ومن كوشف بعاقبتها لم ينسر بعاجلتها ، قال تعالى :وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ[ الحجر : 88 ] الآية ، فافهم ، وأقول : يكفي هذا زاجرا إذ كيف يسهل السعي فيما حصل من الأعمال التكليفية بإتلاف ثمرتها بعد مشقة تأديتها ، ولا سيما بإيصال الثمرات للأعداء إن كانت هناك عداوة ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه .
( قوله : يؤتى العبد الخ ) هذا تأييد لما قبله . ( قوله : لأنّ العبد إذا فعل معصية الخ ) هذا بيان للمراد مما قبله بحمله على ذنب واحد فعله عبد من العبيد اغتابه غيره به ، فالنقص الحاصل بفعل الذنب جبر نصفه بالأجر المرتب على غيبة غيره له وإلا فظاهر العبارة أنّ اللّه تعالى يغفر نصف ذنوب من وقعت عليه الغيبة لا نصف ذنب واحد .
( قوله : فقال لي هل غزوت الخ ) يشير إلى أنّ المؤمل في الأخ المسلم نفع أخيه وضرر عدوه ، فالمغتاب بجهله قلب حقيقة الحال ، فضر الأخ وسلم منه العدو ، وهذا لم يكن من شأن العاقل فضلا عن المسلم . ( قوله : وقيل : يعطى الرجل الخ ) هو قريب مما