باب اليقين
قوله فمن أحسن إليك الخ كذا في السنح ، والصواب أحسن إليه بالبناء
شرح
باب اليقين أقول : هو نور يقذف في القلب به يدرك العبد الموفق أن ما سوى الحق سبحانه وتعالى من قبيل الظل ، قال في لطائف المنن : وأشبه شيء بالكائنات إذا نظرت إليها بعين البصيرة وجود الظل ، والظل لا هو موجود باعتبار مراتب الوجود ، ولا هو معدوم باعتبار مراتب العدم ، وإذا ثبتت ظلية الآثار لم تنسخ أحدية المؤثر لأنّ الشيء إنما يشبه بمثله ، ويضم إلى شكله فمن شهد ظلية الآثار لم يعفه ذلك عن اللّه تعالى ، فإنّ ظل الأشجار في الأنهار لا يعوق السفن عن التسيار ، ومن هنا يتبين لك أن الحجاب ليس أمرا وجوديا بينك وبين اللّه ، وإلا لكان أقرب إليك منه ، فرجعت حقيقة الحجاب إلى توهم الحجاب ، ويؤيد ذلك قول صاحب الحكم العطائية ، لولا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود أبصارهم ، ويعني بالأبصار ما يشتمل أبصار البصائر بل كادت أن تكون عدما محضا ، ونفيا صرفا ، ثم اعلم أنّ ظهوره تعالى فيها للدلالة بها عليه ، فلا وجود لشيء سوى أحدية الحق تعالى فافهم .
وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه اللّه تعالى : اليقين نور يجعله اللّه تعالى في قلب العبد حتى يشاهد به أمور الآخرة ، ويخرق به كل حجاب بينه وبينها حتى يطالع الآخرة كالمشاهد لها ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ النور إذا دخل القلب انفسح وانشرح » قيل : يا رسول اللّه هل من علامة يعرف بها ؟ قال : « التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود » « 1 » والاستعداد للموت قبل نزوله ، فاليقين إذا أشرق نوره كشف عن الآخرة والدنيا ، فيحصل العلم بأنّ الآخرة خير من الدنيا ، قال بعضهم ، علم اليقين يحصل عن قاطع البرهان ، وعين اليقين يحصل عن شهود العيان ، وحق اليقين تحقيق ضرورة العيان بالوجدان ، مثاله ما استفيد بالعلم المتواتر علم اليقين ، ورؤيته عين اليقين ، والحلول به
هامش
( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 327 ، 328 ، 10 / 255 ) والسيوطي في ( الدر المنثور 3 / 44 ، 5 / 325 ) وابن كثير في ( التفسير 3 / 328 ) والقرطبي في ( التفسير 2 / 104 ، 7 ، 81 ) .