كبير الشأن آخر من مات من أصحاب أبي عثمان في سنة ست وستين وثلاثمائة .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول : كل حال لا يكون عن نتيجة علم فإن ضرره على صاحبه أكثر من نفعه ) لأن العلم بالأشياء هو الذي يفيد القلوب ، الأحوال كالعلم بالمخوف ، فإنه يفيد القلب الهرب وكالعلم بالمرجوّ فإنه يفيد القلب شدة الطلب ، وكالعلم بالنعم فإنه يفيد القلب محبة المنعم ، وكل حال لا يكون عن علم فهو مذموم لأن فاعله مراء متشبع بما لم ينله ( قال ) أي : الشيخ عبد الرحمن ( وسمعته ) أي : أبا عمرو بن نجيد ( يقول :
من ضيع في وقت من أوقاته فريضة افترضها ) وفي نسخة افترض اللّه عليه بأن تركها بالكلية أو أتى بها مختلة الشرط ( حرمه اللّه لذة تلك الفريضة ولو ) وفي نسخة إلا ( بعد
شرح
أي السلمي شيخ عصره في التصوّف وإمام وقته في فنون التعرف ، كان ذا براعة وفصاحة وصيانة وسماحة ، وكان شافعي المذهب صحب الجنيد والحيري وأخذ الحديث عن أحمد بن حنبل والرازي روى عنه سبطه أبو عبد الرحمن السلمي ، والحاكم والقشيري ، وحكى هو عن نفسه قال : اختلفت إلى مجلس الحيري في بدايتي ، فأثر في قلبي كلامه فتبت ، ثم وقعت في فترة فكنت أهرب من الحيري إذا رأيته فظفر بي فقال يا بني لا تصحب من لا يحبك إلا معصوما إنما ينفعك أبو عثمان في مثل هذه الحالة فتبت وعدت إلى الإرادة ، وذكر أن شيخه الحيري من الأوتاد . ومن كلامه : من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه ، وقال : كل من لم تهذبك رؤيته فهو غير مهذب ، وقال : لا يصفو لأحد قدم في العبودية حتى يشهد أفعاله كلها رياء ، وأحواله دعاوى ، وقال إذا أراد اللّه بعبد خيرا رزقه صحبة الصالحين والعمل بما يشيرون به عليه ، وقال الدعاوي إنما تتولد من فساد الابتداء ، فمن صحت بدايته صحت نهايته ، ومن فسدت بدايته هلك في أحواله وقتا ماأَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ[ التوبة : 109 ] الآية ، وقال : التصوّف الصبر تحت الأمر والنهي ، وقال الملامتي لا دعوى له لأنه لا يرى لنفسه شيئا يدعي به ، وقال : من قدر على إسقاط جاهه عند الخلق سهل عليه الإعراض عن الدنيا وأهلها ، وقال : من الجهل إظهار العبد محاسنه لمن لا يملك نفعه ولا ضره ، وله غير ذلك من الفوائد .
( قوله : كل حال الخ ) محصله الحث على العلم والعمل به وعلى دوام اتهام النفس وحينئذ فلا يثق الإنسان بالواردات إلّا إذا وافقت علم الظاهر واللّه أعلم . ( قوله : فإنه يفيد القلب محبة المنعم ) أي وإذا أحبه شكره عليها ، وإذا تم شكره زادت نعم اللّه عليه واللّه أعلم . ( قوله : فهو مذموم ) أي لجهل صاحبه بالقواطع والأسباب المهلكة .
( قوله : أو أتى بها مختلة الشروط الخ ) أي سواء كانت شروط صحة أو كمال ، وقوله : حرم لذة تلك الفريضة بل ربما استحق مع ذلك العقاب الشديد . ( قوله : فقال هو