خفيف : الحزن حصر النفس عن النهوض في الطرب ) والفرح ( وسمعت رابعة العدوية رجلا يقول : وا حزناه فقالت له قل وا قلة حزناه لو كنت محزونا لم يتهيأ لك أن تتنفس ) يعني لم تتفرغ للإستغاثة بقوله وا حزناه ، ولذلك قال بعض العارفين : وا حزناه على الحزن لأنه لو ترك قوله : على الحزن لاحتمل أن يكون قوله : وا حزناه من الخوف ، فبين مراده بقوله : على الحزن أي فقده . ( وقال سفيان بن عيينة : لو أن محزونا بكى في أمة ) من الأمم ( لرحم اللّه تلك الأمة ببكائه ) . فيه دلالة على أن المحزون شديد الاضطرار إلى ما حزن عليه وعند الاضطرار ، وعده اللّه بالإجابة فقال :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا
[ النمل : 62 ] الآية . ( وكان داود الطائي الغالب عليه الحزن وكان يقول :
بالليل : إلهي همك عطل عليّ الهموم ، وحال بيني وبين الرقاد ) فيه تضرع إلى اللّه أن
شرح
ولطم الخدود ، وشق الجيوب ، ونحو ذلك . ( قوله : وأما بكاء السرور الخ ) ذكره لمناسبة ذكر ضده وهناك فرق آخر غير ما ذكره الشارح ، وهو أن دمعة الحزن حارّة ودمعة السرور باردة .
( قوله : حصر النفس ) أي انحصارها إذ لا يشترط فعل . ( قوله : فقالت له قل الخ ) أقول فلكمال حالها نفعنا اللّه ببركاتها حملته على الكامل من الحزن ، إذ لا مخرج عن الإحساس سواه . ( قوله : لو أن محزونا بكى الخ ) أقول : وفي صحيح الخبر : « إن العبد إذا أذنب الذنب فقال : يا رب اغفر لي قال اللّه تعالى : أذنب عبدي ذنبا وعلم أن له ربا يغفر الذنب يأخذ به أشهدكم أني قد غفرت له » الحديث ، فعلم العبد أن الرب يغفر الذنب من مشاهدة كرم الرب وجماله ، وعلمه بأنه يأخذ به من مشاهدة جلاله ، ولولا اجتماعهما له في موضع واحد ما انتفع باستغفاره فافهم . ( قوله : لرحم اللّه تلك الأمة ) انظر كون رحمة اللّه الأمة من أجل بكاء الباكي تعلم فضيلة البكاء ، وما يعطيه الحق تعالى في مقابلته حيث كان بكاؤه مشروعا .
( قوله : وكان يقول بالليل الخ ) اعلم أن الكامل من يكون نظره للفضل والعدل لا للذنب والعيب ، ولذا قال يحيى بن معاذ : إن أنالهم فضله لم يبق لهم سيئة وإن أقام عليهم عدله لم يبق لهم حسنة وفيما أوحى اللّه إلى بعض أنبيائه عليهم السلام قل لعبادي الصديقين لا يغتروا فإني إن أقمت عليهم عدلي وقسطي أعذبهم غير ظالم لهم ، وقل لعبادي المذنبين لا يقنطوا فإني لا يتعاظمني ذنب أغفره لهم ، وقال تعالى في كتابه العزيز :نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ[ الحجر : 49 ، 50 ] وقال تعالى :وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ[ فصلت : 43 ] للناس على ظلمهموَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ[ الرعد : 6 ] وقال تعالى :هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ[ المدثر : 56 ] فكله على السواء في حقه سبحانه وتعالى . ( قوله : فيه تضرع إلى اللّه الخ ) أي فيما