( فمرّ إبراهيم عليه السلام خلف المجوسي وأضافه فقال له المجوسي : أي شيء كان السبب في الذي بدا لك فذكر له ذلك فقال له المجوسي : أهكذا يعاملني ) وفي رواية نعم الرب رب يعاتب نبيه في عدوّه ( ثم قال : أعرض عليّ الإسلام ) فعرضه عليه ( فأسلم ) ، وجه تعلق هذا بالرجاء إنه تعالى يجعل الأسباب الضعيفة موصلة لغفران الذنوب العظيمة ، فإذا علم العبد بذلك تعلق قلبه بمحبوبه من جلب نفع ودفع ضرر ، وفيما ذكره إشارة إلى أن الدنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة حيث بسطها لأعدائه ، وبسط رحمته الدنيوية يعم الكافر والمؤمن بخلاف الأخروية كما قال تعالى :
وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
[ الزخرف :
35 ] ولما رأى المجوسي فضل اللّه عليه في معاتبة نبيه لأجل عدوّه وشكر ذلك جازاه اللّه بتوفيقه للإسلام . ( سمعت الشيخ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : رأى الأستاذ أبو سهل الزجاج في المنام ، وكان يقول بوعيد الأبد ) أي : بأن اللّه تعالى إذا توعد على معصية بعقاب ، فلا بدّ من وقوعه وهو غفلة منه عن شرطه ، فإن ذلك يغفره إذا شاء كما قال :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء :
48 ] ( فقال له : كيف حالك فقال : وجدنا الأمر أسهل مما توهمنا ) يحتمل أن يكون اللّه غفر له اعتقاده المذكور لغفلته عن شرطه ، ويحتمل أنه تاب عن اعتقاده قبل موته ، ولم يعلم الرائي حاله فلما رآه في المنام وسأله عن حاله أخبره بما ذكر .
( سمعت أبا بكر بن أشكيب يقول ، رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي في المنام
شرح
( قوله : وجه تعلق هذا بالرجاء الخ ) محصله أن من أسباب الرجاء العلم بسعة الفضل ، وأنه لا يقتضي كبير كلفة بل قد يترتب على أقل شيء من العبد . ( قوله : تعلق قلبه بمحبوبه ) أي دون غيره من سائر الكائنات . ( قوله : وبسط رحمته الدنيوية الخ ) جملة مستأنفة لإفادة أن النعم الدنيوية تعم الكافر والمسلم الصالح والطالح بخلاف الأخروية ، فهي خاصة بالمؤمنين العصاة والموفقين . ( قوله : ولما رأى المجوسي ) أي : بواسطة عين الاعتبار بما قذفه اللّه في قلبه من نور الإستبصار .
( قوله : فقال وجدنا الأمر أسهل الخ ) أقول في ذلك تنبيه على أنه قد غفر له ما كان يعتقده إما لما ذكره المؤلف من رجوعه عنه وتوبته منه وإما لعدم تقصيره في ذلك الاعتقاد حيث كان هو الذي أداه إليه اجتهاده بعد البحث على حسب الوسع . ( قوله : فقال يحسن ظني بربي ) أي وله الإشارة بقول بعضهم شعرا :فقري لمعروفك المعروف يدنيني * يا من أرجيه والتقصير يرجيني
إن أوبقتني الخطايا عن مدى شرف * نجا بإدراكه الناجون من دوني
أو غض من أملي ما ساء من عملي * فإن من حسن ظن فيك يكفيني