[ النساء : 48 ] طمعوا في مغفرته وعفوه . ( ويحكى عن إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه أنه قال : كنت انتظر مدّة من الزمان أن يخلو ) ( فسمعت هاتفا يقول لي يا ابن أدهم أنت تسألني العصمة ، وكل الناس يسألوني العصمة فإذا عصمتكم فلمن أرحم ) وفي نسخة فعلى من أترحم ، وفي ذلك دلالة على أنه سبق في علمه أنه لا بدّ من وقوع المعصية والرحمة ، وقد تقع الرحمة ولا معصية فمن رحمته عصمة الأنبياء وحفظ الأولياء ، وقد قال تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
[ يونس : 99 ] وأراد بما ذكر أن ينبه إبراهيم بن أدهم على أن لا يسأله ما ليس له به علم ، كما في قصة نوح عليه السلام إذ سؤال العبد العصمة سؤال عما لا علم له به ، فقد يكون في معلومه تعالى أنه ممن يعصى فسؤاله المغفرة أولى به وأقرب لعبوديته ، ويجوز أن يسأل العبد ربه أن يحفظه ويصونه عن سائر المعاصي وأما العصمة فمن خصائص الأنبياء ، وبالجملة فقد اختلف في جواز سؤالها لغيرهم ، فقائل منع لأنه يؤدّي إلى تعطيل التوبة ، وفي الصحيح خبر : « لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم ولجاء بقوم يذنبون ،
شرح
مطلق الكفر وحمل المسلم على مطلق من له انقياد ظاهري وقد وقع الكفر بعد الإيمان والعياذ باللّه تعالى بعد ثبوت قوله جل شأنه :إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ *[ النساء : 48 و 116 ] فيجوز كذلك وقوع المعصية لو ثبت عدم قبول التوبة منها بخبر اللّه تعالى نعم ربما يقال : أن المراد بالمسلم الفرد الكامل ، وهو الذي يكون موفقا ليقظة القلب ، ومثله في هذه الحالة لا يلابس معصية ، ولا كفرا فتأمل ، ولا تك أسير التقليد .
( قوله : فسمعت هاتفا الخ ) محصله الزجر عن سؤال العصمة للإشارة إلى أن سؤالها يرجع إلى طلب تعطيل مظاهر بعض الأسماء الإلهية ، وهو لا يصح ولأنه سؤال ما لا علم له به ، إذ قد يسبق في القضاء عصيانه ، والتوبة عليه بمظهر الرحمة الإلهية ، ولأنه يرجع أيضا إلى طلب مقام النبوات ، إذ العصمة من خواصهم ، فبعد أن زجره هذا الهاتف تضمن زجره تنبيهه على عمله بما هو الأليق به ، وهو سؤال المغفرة والرحمة تدبره فإنه نفيس .
( قوله : فإذا عصمتكم الخ ) يشير بذلك إلى أن متعلق الرحمة عام بالقضاء أزلا وبإجابة مثل هذا السؤال يصير خاصا وذلك غير جائز إذ لا تغيير ولا تبديل لما سبق به القضاء .
( قوله : فمن رحمته عصمة الأنبياء ) أي قبل النبوّة وبعدها سهوا وعمدا ، سواء كانت صغائر أو كبائر بل ومن المكروهات ، وخلاف الأفضل على الصحيح في كل ذلك إلا لغرض التشريع ، وقوله : وحفظ الأولياء والفرق بينهم وبين الأنبياء هو جواز المخالفة بالنسبة لهم ، دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ( قوله : ويجوز أن يسأل العبد الخ ) إن قلت هذا يرجع إلى سؤال العصمة قلت لا لجواز طرو المخالفة في مقام الحفظ ، ولا كذلك في مقام العصمة . ( قوله : إلى تعطيل التوبة ) أي وذلك لا يصح ، ويحرم سؤاله