نفسي بيده إنه ليضحك فقالت : لا يعدمنا خيرا إذا ضحك ) إذ الضحك علامة الرضا وبذلك علم أنه تعالى لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة فمن أطاعه فبركة طاعته عائدة عليه ، ومن عصاه فشؤم معصيته راجع إليه فإن تاب عنها فلا يأس من رحمة اللّه فإن أيس منها فهو جاهل ، ومن ثم ضحك تعالى ممن ييأس لأنه أتى بشيء عجيب وهو غفلته عن سعة رحمته أو جهله واعتقاده أن معصيته يرجع إلى ربه منها شيء فضحك ربه مقابلة له بضد حاله فإنه لما أيس من رحمته أسبغها عليه لا سيما بعد توبته .
( واعلم أنّ الضحك في وصفه ) تعالى ليس الضحك المعتاد تعالى اللّه عن ذلك بل هو ( من صفات فعله وهو إظهار فضله كما يقال : ضحكت الأرض بالنبات ) أي : أخرجته منها ( وضحكه ) الأولى فضحكه تعالى ( من قنوطهم إظهار تحقيق فضله الذي هو ضعف ) بل أضعاف طول ( انتظارهم له ) المرتب عليه يأسهم . ( وقيل : إن مجوسيا استضاف الخليل إبراهيم عليه السلام ) أي : طلب منه أن يضيفه ( فقال ) له ( إن أسلمت أضيفك فقال المجوسي : إذا أسلمت فأي منة تكون لك عليّ فمر المجوسي ) أي :
جاوزه ( فأوحى اللّه عز وجل إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم لم تطعمه إلا بتغييره دينه نحن منذ سبعين سنة نطعمه على كفره فلو أضفته ليلة ماذا عليك ) من الحرج
شرح
منا خيرا الخ ) يؤخذ من ذلك أن فرحها رضي اللّه عنها بالرضا منه تعالى وذلك عين الكمال لأنه من شأن أهل المقامات والأحوال ، فذلك دليل على صدق حالها رضي اللّه تعالى عنها .
( قوله : فقالت لا يعد منا خيرا الخ ) أي : فإذا ثبت رضاؤه عنا فشأن كرمه أنه لا يعد منا خيرا ، بل يعمنا بإحسانه والمقصر منا بالكرم أولى في كل من الآخرة والأولى .
( قوله : فإن أيس منها فهو جاهل ) أي : لجهله بمجاري القضاء والقدر حيث هما لا لعلة ولا سبب قال قائلهم :بلا عمل مني إليه اكتسبته * سوى محض فضل لا لشيء يعلل( قوله : بل هو من صفات فعله ) أي : الذي هو إنعامه على خلقه . ( قوله : كما يقال ضحكت الأرض بالنبات الخ ) التشبيه في مطلق التجوز بلفظ الضحك عن معناه المتعارف إلى إظهار الأنعام أو النبات . ( قوله : وقيل إن مجوسيا الخ ) في هذه القصة تنبيه على أنه لا ينبغي الاغترار بالعمل ولا القنوط من الخطيئة ولا احتقار مخلوق لكفره أو فسقه إذ العواقب مجهولة ، وأسباب السلامة قد تكون معلولة ، ولا عظم للذنوب في جانب الرحمة فقد تكون النجاة من عظيم الآثام بقليل بذل الحطام ، وقد يزل قدم ذي الكمال بعد مجاهدته الأيام والليال ، فاللّه يرزقنا السلامة والتسليم لمجاري أفعال العزيز الحكيم . ( قوله : أهكذا يعاملني ) الغرض إفادة أن شأن الحق تعالى معه أنه يقابل قبيح أفعاله بحسن أفضاله ، وأنه إذا كان هذا شأنه في وقت نفرة العبيد ، فكرمه بعد تحقق الإيمان يرجى به التوفيق والتسديد .