شرح
أو اسم مع اسم آخر أو مظهر مع مظهر آخر وشهودك اتحاد قطرات الأمطار بعد تعددها ، واتحاد الأنوار مع تكثرها كالنور الحاصل من الشمس ، والكواكب على وجه الأرض أو من السرج المتعددة في بيت واحد وتبدل صور عالم الكون ، والفساد على هيولي واحدة دليل واضح على حقيقة ما قلنا ، هذا مع أن الجسم كثيف ، فاظنك بالخبير اللطيف الظاهر في كل المراتب الخسيس منها والشريف ، والحاصل أن الاتحاد ، والحلول بين الشيئين المتغايرين من كل الوجوه شرك عند أهل اللّه ، وذلك لفناء الأغيار عندهم بسطوع نور الواحد القهار ، بل المراد أن الحق تعالى باعتبار أنه مصدر الكائنات جميعها علويها وسفليها مركبات أو بسائط أو مجردات جواهرا واعراضا كليات أم جزئيات ، واعتبار انفراده بالوجود الذاتي وإنّ جميع الوجودات مستمدة من وجوده ، فهو هي ، وهي هو على معنى لا هو إلّا هو كان اللّه ولا شيء معه ، ويبقى اللّه ولا شيء معه ، وإنما الكائنات تعينات له مخصوصة في أزمنة مخصوصة محكوم عليها بأحكام مخصوصة ، ثم إليه يرجع الأمر كما بدّا الحكم عليه وأسرار الهية علمها من علمها وجهلها من جهلها بتدبيره تعالى ، وتقديره لا يسأل عما يفعل فافهم ، ولا تك أسير النقل والتقليد ، ثم ومما يدور على لسانهم رضي اللّه عنهم قولهم انطوى بساط السوي ، ويقال عليه كيف والجنة باقية ، وكذا النار والعرش والكرسي لي غير ذلك مما جاء الشرع بالحكم عليه بالبقاء المقتضي للوجود ، فيقال إنما جاء هذا من النظر القاصر فاضطروا بسببه إلى استثناء مثل هذه الأشياء في نحو قوله تعالى :كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[ القصص : 88 ] ، أو إلى جعله عاما مخصوصا وكذا كل من عليها فان ، فلا تعجب انطواء بساط السوي ، واضمحلال الأكوان في نظر العارف فإنه ينظر بعين الأزل ، فيفنى ويفنى وينظر بنعت الأبد فيبقى ويبقى ، وإلى النظر الأول أشار صلى اللّه عليه وسلم بقوله أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد :ألا كل شيء ما خلا اللّه باطلأي فان وزائل لا حقيقة له ، وعند المحققين في كل نفس ، وأقل منه مما يجري من الأزمنة على الخلق كل شيء هالك إلا وجهه المهلك الحق ، ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور فإياك ثم إياك أن تشنع على أهل الحق مقلدا في ذلك من سلف من أبناء جنسك ، وأرباب فنك ولو اشتهروا بالعلم ، واتصفوا بالفهم ، فتخوض مع الخائضين فإن المقام الذي استوطنته من التقليد في التوحيد والمتنسم الذي ارتقيته من منازل الدليل ، والبرهان من الاستدلال على الصانع بالمصنوع لم يتخذوه وطنا ، ولم يألفوه متنسما ومسكنا ، بل أطلق الحق عقال عقولهم التي عقلك بها فصارت عقولهم مطلقة ، وأرواحهم بعروة اطلاق التوحيد المستفاد من عين اليقين وحقه مستمسكة بها متوثقة ، ولعمري لقد صدق القائل :والجاهلون لأهل العلم أعداء