شرح
يكن في أمتي فعمر منهم » ، والمشاهدة وهي صيرورة الحقيقة لمعدن البيان لا تحتاج إلى دليل ولا برهان ، والمطالعة وهي مراقبة التوحيد في كل ورد وصدر ، والرجوع إلى الحقيقة المرة بعد المرة بلا تأمل ولا نظر ، فلا يبدو شيء إلّا طولع به سره ، هذا ما فهمته من معاني هذه الألفاظ ، والدر من وراء الصدف ، فليس التصوف بحديث يكتفي فيه بالاخبار ، ولا يغتني بالعلم والعمل فيه عن حصول الأنوار غير أنه لا بدّ من مثل هذا للمنتسبين والمحبين ، وأهل البدايات واللّه ولي التوفيق ، ومنه قولهم الدبور وهي صولة داعية النفس ، واستيلائها شبهت بريح الدبور التي تأتي من جهة المغرب لانتهائها إلى الجهة الجسمانية التي هي مغرب النور ، ويقابلها القبول وهي ريح الصبا التي تأتي من جهة المشرق وهي صولة داعية الروح واستيلائها ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور » « 1 » ومن كلامهم الأنانية وهي الحقيقة التي يضاف إليها كل شيء من العبد كقوله روحي ونفسي وقلبي ، وأنانية الحق تعالى وجودية وأنانيتنا عدمية ومن كلامهم : الآنية وهي تحقق الوجود العيني من حيث رتبته الذاتية ، ومنه الوتر وهو الذات باعتبار سقوط جميع الاعتبارات ، فإنّ الأحدية لا نسبة بينها وبين شيء بخلاف الشفع الذي باعتباره تعينت الأعيان ، وحقائق الأسماء ، ومن كلامهم الوجود ، وهو وجدان الحق ذاته بذاته ، ومن كلامهم وجه العناية ، وهو الجذبة والسلوك الذي به تتحقق جهة الهداية ، ولهم غير ذلك مما يطول الكلام عليه .
تنبيه
يدور على لسان الصوفية أيضا لفظ الفناء ، وسيأتي بذكره المصنف ، فأقول لك تقديما للفائدة لا تتوهم أن ذلك هو الفناء العلمي الحاصل للعارفين الذين ليسوا من أرباب الشهود الحالي مع بقائهم عينا وصفة ، فإن بين من يتصوّر المحبة وبين من هي حاله بونا بعيدا وفرقا عظيما قال الشاعر :لا يعرف الشوق إلّا من يكابده * ولا الصبابة إلّا من يعانيهاوالحق أن الإعراب عنه لغير ذائقة ستر والإظهار لغير واجده اختفاء ، والعلم بكيفيته مختص باللّه تعالى لا يمكن أن يطلع عليه إلّا من يشاء من عباده الكمل الذين حصل لهم هذا المشهد الشريف والتجلي الذاتي المفني للأعيان بالأصالة كما قال تعالى :فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً[ الأعراف : 143 ] ، فإذا علمت ما قدمته لك علمت معنى الاتحاد الذي اشتهر وعلمت اتحاد كل اسم من الأسماء مع مهظره وصورته ،هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( استسقاء 26 ) ( مغازي 29 ) ( بدء الخلق 5 ) ( أنبياء 1 ) ومسلم ( استسقاء 17 ) وأحمد بن حنبل ( 1 ، 223 ، 228 ، 324 ، 341 ، 255 ، 373 ) .