تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
من ضررها بخلاف المتزهد فإن يتكلف الاعراض عنها فقوله : بلا تكلف إشارة إلى الفرق بين الزاهد والمتزهد . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت النصر أباذي يقول : الزاهد غريب ) أي : قليل ( في الدنيا والعارف باللّه تعالى غريب في الآخرة ) لأن أكثر العمال لها إنما يعملون خوفا من العقاب أو رجاء للثواب ، ومن لم يعمل إلا لذلك ترك عمله إذا زال الخوف أو الرجاء بخلاف العارف باللّه فإنه لمعرفته جلال اللّه تعالى وعظمته وتحقق وجوب عبوديته لحق أمره ونهيه لا بترك العمل أصلا ، وهذا غريب قليل في أبناء الآخرة . ( وقيل : من صدق في زهده ) في الدنيا ( أتته الدنيا راغمة ) أي : اضطرارا لأن الزاهد لا رغبة له فيها ، وما قدّر اللّه له مما لا بد منه يأتيه جميعا رغما لضمان اللّه له ، أو لأن اللّه قد يمتحن الزاهدين بها فيواليها عليهم كما قال :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الكهف : 7 ] ، وإن أحسن العمل فيها الزهد . ( ولهذا قيل : لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت إلّا على رأس من لا يريدها ) ولا يحبها ، فهي تقع له ابتلاء وامتحانا ولا أرب له فيها ، وليس هذا لكل الزهاد ، بل يحفظ اللّه تعالى بعضهم ، ولا يبتليهم بها بالكلية إما لضعفهم أو لقوتهم . ( وقال الجنيد : الزهد خلوّ القلب عما ) أي : عن محبة ما ( خلت منه اليد ) من الدنيا لا خلوّ اليد عن الملك أو رد العبد ما يأتيه كما زعمه بعضهم لأن ذلك من ثمرات الزهد لا نفسه إذ الزهد إنما يكون من أعمال
شرح
والرجاء ، وهو للعامة ، والثاني المحبة والإجلال ، وهو للخاصة ، ممن لم يشغلهم عن الحق غيره ، وقوله : غريب في الدنيا أي في أهل الدنيا ، وذلك لعزته فيهم ، ويحتمل أن المراد أنه بخموله بالزهد صار كالغريب لعدم الالتفات إليه . ( قوله : غريب الخ ) فيه الحث على علوّ الهمة نسأل اللّه التوفيق لمحابه . ( قوله : وقيل من صدق في زهده الخ ) فيه تنبيه على الالتفات إلى أن المقدّر كائن لا محالة فراحة السر من البر حيث إعراضه عن الدنيا لا يمنع ما قدّر كونه له ولا تهافته على الدنيا يجلب زيادة عنه على أن العطاء قد يعلق على الإعراض ، وربك يخلق ما يشاء ويختار فافهم ، ولا تنظر لمن لم يعلم . ( قوله : ولهذا قيل الخ ) أي وذلك المذكور منظور فيه للعادات الإلهية التي هي على وفق المعلومات الأزلية . ( قوله : وليس هذا لكل الزهاد الخ ) أي لأن بعضهم قد فطر على طهارة القلوب ، فلم يكن له سوى الحق مطلوب ، وبعضهم يلزم له في طريقه الامتحان لما قد يغلب عليه من عادة الإنسان . ( قوله : خلوّ القلب الخ ) أنت خبير بأن ما ذكره من إمارات الزهد ، وليس عينه ومحصله أن المدار في مقام الزهد على قطع علق القلب من الدنيا ، وإن لابسها بظاهر بحسب الإذن الشرعي . ( قوله : الصوف الخ ) أقول ذلك من قبيل تربية
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 269 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على