عن رؤية ربه ، ومناجاته . ( ودخل الحسن البصري مكة فرأى غلاما من أولاد علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قد أسند ظهره إلى الكعبة يعظ الناس فوقف عليه الحسن وقال له : ما ملاك الدين ) أي : أصله ( فقال : الورع فقال له : فما آفة الدين قال الطمع ) في الدنيا ( فتعجب الحسن منه ) فمتى غفل العبد عن الورع الواجب والمندوب أو ارتكب الطمع بحيث لم يتوقف عن شيء يحصل له تلف دينه ( وقال الحسن ) أيضا : ( مثقال ذرّة من الورع السالم ) من الرياء والكبر والعجب ( خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة ) لأن فيهما الغنيمة ، وفي الورع السلامة وهي مقدّمة على الغنيمة كما مر ( وأوحى اللّه سبحانه إلى موسى عليه السلام لم ) وفي نسخة لا ( يتقرّب إليّ المتقرّبون بمثل الورع والزهد ) لذلك ( وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه : جلساء اللّه تعالى غدا ) أي : يوم القيامة ( أهل الورع والزهد ) لأنهم تقرّبوا إليه بأفضل القربات ، وهو بغض ما أبغضه اللّه وكراهة ما كرهه على ما دلت عليه الأدلة لخبر : « لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » . ( وقال سهل بن عبد اللّه ) التستري ( من لم يصحبه الورع بأكل رأس الفيل ولم يشبع ) أي : اشتدّت رغبته في الدنيا ، وفي أكله ما يطيب وما لا يطيب . ( وقيل : حمل إلى عمر بن عبد العزيز ) رضي اللّه عنه ( مسك من الغنائم ، فقبض على مشامه وقال : إنما ينتفع من هذا بريحه ، وأنا أكره أن أجد ريحه دون المسلمين ) هذا من أكمل الورع ، وحكي أنه أمر من يقسمه أن يبعد عنه لئلا يجد رائحته قسمة بين الناس خوفا من أن يتنعم برائحته هو ومن حضره دون بقية المسلمين
شرح
حظها منه غافلة عن حق الحق فيه . ( قوله : فقال الورع ) أي لأن به يتم الانقياد الظاهري والباطني . ( قوله : تلف دينه ) أي وذلك بارتكاب المحرّم أو بترك ما هو الأفضل في حقه كما لا يخفى . ( قوله : لأن فيهما الغنيمة ) أي للأجر وفي الورع السلامة أي من الوزر ، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح ولا سيما إن تعلقت الحقوق بالآدمي . ( قوله :
بمثل الورع ) أي لأن من قدر على حبس نفسه عليه فهو على غيره من المأمورات أقدر .
( قوله : لذلك ) أي لما فيه من السلامة ، وهي مقدمة على الغنيمة . ( قوله : جلساء اللّه الخ ) المراد بهم من أكرم واتحف بأنواع الإكرام كما يكرم الجليس من الكرام ( قوله : لو كانت الدنيا الخ ) أي وإنما كانت كذلك لأنها دار امتحان وابتلاء مع فنائها وزوالها بسرعة وإشغالها بطبعها عن حق الحق تعالى . ( قوله : من لم يصحبه الورع الخ ) أي فهو أس في نزاهة النفس عن الفضول ، فإذا تجرّد عنه العبد فقد تعرّض للهلاك بالتهافت على الدنيا .
( قوله : إنما ينتفع من هذا بريحه ) أي فشم ريحه هو المقصود منه ، وهو حق الغانمين فكره أن يتقدم عليهم بشم ريحه ، وذلك غاية الورع كما صرّح به الشارح .
( قوله : وتقدّم فيه كلام الخ ) حاصل ما تقدم أن الشارح قد اعترض عليه بأنه من حقوق