واستغراقهم في مطلوبهم وتلذذهم بمحبوبهم . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول :
سمع ) بالبناء للمفعول ( أبو بكر الشبلي يقول : الإفلاس الإفلاس ) أي : احذروا ذلك ( يا ناس فقيل له : يا أبا بكر ما علامة الإفلاس فقال : من علامة الإفلاس الاستئناس بالناس ) إذ لو كمل وجدهم وتحققوا بموجودهم لاشتغلوا عن أنفسهم فضلا عن غيرهم فمن علامات الإفلاس التلذذ بحديث الناس ، وقوله : من علامة الإفلاس محذوف من بعض النسخ . ( وقال يحيى بن كثير : من خالط الناس داراهم ) بأن يتألفهم ويطيب نفوسهم ، ويؤثرهم على نفسه بالدنيا ( ومن داراهم راياهم ) بأن يدع لهم شيئا من دينه متابعة للهوى ، حذر بذلك من الخلطة لأنها تحوج إلى المداراة التي يخشى منها أن يخرج العبد منها إلى المراياة والمداهنة أو التشبع بما لم ينل من مقامات الدين ، والخلوة تريحه من جميع ذلك . ( وقال شعيب بن حرب : دخلت على مالك بن مسعود بالكوفة ، وهو في داره وحده فقلت له : أما تستوحش وحدك فقال له ما كنت ) قبل كلامك هذا ( أرى ) أي أظن ( أن أحدا يستوحش مع اللّه ) تعالى في دليل على كمال معرفته بربه وكمال محبته له وأنسه به حتى استنكر وقوع ذلك من الناس فعبر عن حاله وحكم به على غيره من الخلق . وكل إناء بالذي فيه ينضح .
( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول : سمعت الجنيد يقول : من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل الناس فإن هذا زمان وحشة ) أي : يستوحش فيه من الناس ( والعاقل من اختار فيه الوحدة ) هذا قول الجنيد في زمنه فكيف تطلب السلامة بغير عزلة في زماننا الذي لا يجتمع فيه اثنان ، ويفترقان غالبا إلا عن خسارة منها ما يذكره أحدهما للآخر من ذكر نقص بعض الإخوان متوجعا بذلك ومتألما به وهو غيبة وخدعة من
شرح
الوحشة . ( قوله : الإفلاس الإفلاس ) أقول إنما سمي بذلك لأنه تجرّد عن الثمرات الباقية بملابسة الحظوظ الفانية . ( قوله : التلذذ بحديث الناس ) أي لأنه يدل على بقاء حظوظ النفس الدنية إذ لو فنيت عنها لكان بدل الإنس الوحشة وبدل الاختلاط النفور . ( قوله :
من خالط الناس الخ ) أقول قد حذر من المشروع خوفا من تدريج الوقوع ، وذلك بإشارة خبر : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . ( قوله : إلى المراياة والمداهنة ) أي وهما من كبائر الذنوب . ( قوله : وحكم به على غيره ) أي كما يشير إليه خبر : « المؤمن مرآة المؤمن » .
( قوله : من أراد أن يسلم الخ ) أقول حيث ثبت هذا في زمنه مع القرب من أثر بركة النبوّة ، وكان الحكم في ذلك الوقت الندب ، فهي في وقتنا آكد ، بل لو قيل بالوجوب لم يكن بعيدا . ( قوله : لا يجتمع فيه اثنان الخ ) أقول ومثل هذا في وقتنا يقال له عند الخاصة والعامة المسامرة فيقع منهم كأنه من المباحات ، فلا حول ولا قوّة إلا باللّه .