كل ما سوى اللّه تعالى ، فهو المقرب وهو أرفع درجة ، ومن ثم قيل حسنات الأبرار سيآت المقربين ، وقيل إخلاص المريدين رياء العارفين لأن المريد إذا تقرب بالطاعة ونظر إليها لم يكن منافيا لإخلاصه فيها بخلاف العارف فإنه إذا اشتغل سره بغير اللّه نافى ذلك عرفانه . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول :
التوبة ) مبنية ( على ثلاثة معان ) وتقدم أنها شروط لها ( أولها الندم ) على ما تاب منه ، ( والثاني العزم على ترك المعاودة إلى ما ) ارتكبه مما ( نهى اللّه تعالى عنه ) وكأنه ضمنه الإقلاع عن الذنب لما مر أنه شرط أيضا ، ( والثالث السعي ) وفي نسخة يسعى ( في أداء المظالم ) لمستحقها إن علمه وإلا تصدق به عنه ، ولا يخفى أن لكل جارحة حظا من التوبة فللقلب نية الترك والندم وللعين الغض عن غير المباح ، ولليد ترك البطش فيه ، وللرجل ترك السعي فيه وللسمع ترك الإصغاء له وهكذا ( وقال سهل بن عبد
شرح
الباعث عليه الخوف وأوسطها ما كان الباعث عليه المحبة والإجلال ، ومن ذلك : « نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه » ، وأعلاها التوبة عما سواه سبحانه وتعالى .
( قوله : ومن ثم قيل الخ ) توضيحه أن الالتفات إلى شيء من الكائنات ولو دينيا نقص يتاب منه بالنسبة لأولي الهمم العالية من المقربين وكمال بالنظر لغيرهم ممن يشهد تصاريف الحق سبحانه .
( قوله : أولها الندم الخ ) أي ويلزمه التشمير لتدارك الفائت بنظره أنه ضيف في دار ليست له الذي من شأنه العمل بما أمره به ربها والرجوع فيها إلى ما يريده تفويضا واتكالا لأن حق الضيف أن لا يعول هما مع رب المنزل ، بل يكون حيث أنزله وذلك هنا بامتثال أمره والاستسلام لقهره وملازمة ذكره وشكره ، وعدم الالتفات لغيره ، فأصول الخير ثلاثة حفظ الحرمة وحسن الخدمة وشكر النعمة ، وأصول الشر ثلاثة : خوف الخلق وهمّ الرزق والرضا عن النفس ، فالفرار من هذا أصل كل طهارة والتحلي بتلك أساس كل كمال .
( قوله : والثاني العزم ) أي تصميم القلب الجازم على ترك المعاودة إلى ما ارتكبه كالمطية مما نهى اللّه تعالى عنه نهيا جازما أو غير جازم احتمل التأويل أو لا كما هو الاحتياط في حق من يعامل العظماء .
( قوله : وكأنه ضمنه الاقلاع عن الذنب ) أي حيث لم يصرّح به اكتفاء بالعزم على عدم المعاودة اللازم له الاقلاع عن الذنب . ( قوله : ولا يخفى أن لكل جارحة الخ ) مراده أنها لا تتحقق في الحال إلا كذلك ، ويحتمل أنه إشارة إلى ثمرة التوبة في المستقبل ، فمحصل ما ذكره الشارح أن التوبة لا تتحقق في الحال للعبد إلا إذا كان الأمر كذلك كما يصرّح به الاقلاع عن الذنب والندم من أجله ، أو يكون ذلك للإشارة إلى ثمرة التوبة في