مراعاة للأمر ) أي : لامتثاله ( لا لرغبة في الثواب أو رهبة من العقاب فهو صاحب أوبة ) ، وإن كان صاحب توبة . ( ويقال أيضا التوبة صفة المؤمنين قال اللّه تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[ النور : 31 ] والإنابة صفة الأولياء والمقربين قال اللّه تعالى :
وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ )
[ ق : 33 ] أي : مقبل على طاعته ( والأوبة صفة الأنبياء والمرسلين قال اللّه تعالى :
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )
[ ص : 30 ] أي : رجاع في التسبيح والذكر في جميع الأوقات فمن تاب خوفا من العقاب ، ورجاء للثواب ، فهو طالب حظ نفسه غير مخلص للّه تعالى ، ومن تاب حياء من اللّه لقدرته عليه وعلمه لا خوفا من ناره ولا رجاء لثوابه ، فهو المخلص في توبته ومن تاب عن
شرح
وبين من تاب للخوف والإشفاق حيث الأول قد أهاجه الشوق إلى شهود الجمال ، والثاني قد أزعجه الخوف من سطوة الجلال ، وفرق بين من تاب بشاهد الآثار ، وبين من تاب يشاهد نور الأنوار حيث الأول هيجته مشغلات الجنان والثاني دعاء داعي شهود الرحمن .
( قوله : التوبة صفة المؤمنين ) أي لأنهم لما نظروا بقوة إيمانهم ، وكمال عقولهم إلى خسة الدنيا بما اشتملت عليه وشدّة كدرها أعرضوا عنها ، وهربوا منها فارين إلى قرع باب الفتاح بمطراق التوبة عسى أن يسعفهم فتح القبول وللّه در من قال في وصف الفتنة شعرا :شمطاء قد خلقت لنا وتنكرت * مكروهة للشم والتقبيلولقد رأيت في عالم الخيال امرأة طويلة عليها ثياب حافلة ، ووجهها لناحية أخرى فقلت من هذه قيل الدنيا قلت لو أرتني وجهها قيل لي أنها لا تري وجهها لأحد لأنه ما رآه أحد قط إلا بغضه فحينئذ المراد صفة المؤمنين أي المصدقين وذلك لقوله صلى اللّه عليه وسلم « الدنيا سجن المؤمن » . « 1 » ( وقوله : كن في الدنيا كأنك غريب ) « 2 » الحديث ، والغريب لا يتشبع بشيء ولا يعتدّ به ، بل هو فيما هو به من غربته وذلته كما قيل شعرا :ما للغريب وللتصابي والهوى * فكفاه ذلا إن تقول غريباوالغريب شأنه طلب السلامة والمعاملة بالإنصاف وعدم المنازعة والمسجون شأنه أن لا يرى ما يسره ويتوقع أسباب الهلاك وحينئذ فلا راحة للمؤمن بدون لقاء ربه . ( قوله :
صفة الأولياء ) أي ممن دام على الرعاية وحسن المتابعة .
( قوله : فمن تاب خوفا الخ ) أي فالتوبة تختلف باختلاف الباعث فأدناها ما كان
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( زهد 1 ) والترمذي ( زهد 16 ) وابن ماجة ( زهد 3 ) وأحمد بن حنبل ( 2 / 197 ، 323 ، 389 ، 485 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( رقاق 3 ) والترمذي ( زهد 25 ) وابن ماجة ( زهد 3 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 24 ، 132 ) .