على أن الشيخ يحمل من تليمذه بعض ما يبدو منه من الزلل لضعف عقله وقلة أنسه بأسباب الدين ( سمعت الشيخ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : تاب بعض المريدين ثم وقعت له فترة ) وعودة على ما كان عليه قبل التوبة ( فكان يفكر وقتا لو عاد إلى التوبة كيف حكمه فهتف به هاتف ) من ملك أو ولي أو جني يقول ( يا فلانا أطعتنا فشكرناك ثم تركتنا فأمهلناك فإن عدت إلينا قبلنا فعاد الفتى ) الذي تاب ثم فتر ( إلى الإرادة ) أي : الحالة التي فتر عنها ونفذ فيها ، في ذلك تنبيه على أن باب التوبة مفتوح بعد الزلل وإن العبد إذ زل لا يعاجل بالانتقام ( فإذا ترك المعاصي وحل عن قلبه عقدة الإصرار ) على شيء منها ( وعزم على أن لا يعود إلى مثله ) أي : مثل ما عصى اللّه به ( فعند ذلك يخلص إلى قلبه صادق الندم ) أي : الندم الصادق ( فيتأسف ) أي : يشتد حزنه ( على ما عمله ويأخذ في التحسر على ما ضيعه من أحواله وارتكبه من قبيح أعماله ، فتتم توبته وتصدق مجاهدته ويستبدل ) وفي نسخة واستبدل ( بمخالطته ) الناس ( العزلة ) والخلوة ( وبصحبته ) أي : وبإيقاع صحبته ( مع أخدان السوء ) أي : أصدقائه ( التوحش عنهم والخلوة دونهم ويصل ليله بنهاره في التلهف ) أي : التحسر ( ويعتنق في عموم أحواله يصدق التأسف ) بحيث ( يمحو بصوب ) أي : بنزول دمع ( عبرته )
شرح
( قوله : فهتف به هاتف الخ ) بالتأمل في تلك الإشارات ، والتفهم فيما يرد من الواردات يعلم أن الفضل مواهب ، وأنه أقرب لذوي المصائب ، فحينئذ لا يقنط العبد ، وإن كثرت منه الذنوب وتوالت عليه عظائم الخطوب ، حيث الوعيد حق غير أنه في حق من لا يتوب ، فقو عزم الآمال لتحظى بلطف الإفضال . ( قوله : على أن باب التوبة به مفتوح بعد الزلل ) أي ويدل له قوله جل جلاله :إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ[ البقرة : 222 ] لصدقه بما ذكر ، وقوله وإن العبد إذا زل لا يعاجل بالانتقام أي بل قد تشمله الرحمة بالعفو والغفران كيف وقد أمرنا بالعفو عمن جنى علينا ، فهو تعالى أولى بذلك .
( قوله : وحل على قلبه عقدة الإصرار الخ ) أي بشهود أن الأمور كلها قد أحاط بها علم العليم ، وإنهم في قبضة قدرة الحكيم فإن علم ذلك يؤثر الجمعية على اللّه بالتوكل عليه والإنابة له ( وقوله : فعند ذلك الخ ) اعلم أن الندم ركن عظيم في التوبة ، فهي لا تصح إلا به بخلاف ما أشار إليه بقوله ويستبدل الخ فإنه شرط في كماله . ( قوله : فيتأسف الخ ) أي بواسطة تأمله في الوعيد الحق وتفكره ، فيما جناه على نفسه من خلاف الصدق ، وذلك يشير إلى طرف من عناية اللّه ، حيث نقله بذلك واصطفاه . ( قوله : يستبدل الخ ) المراد اعتزال الصفات الذميمة ، والتخلق بالحميدة وإن لم ينفرد بشخصه عن أبناء جنسه ، وذلك بالنسبة لمن قوي يقينه ، أما ضعيفه ممن يتأثر بالمخالطة ، فالمراد بالعزلة بالنسبة له البعد والانفراد عن الخلق المشغلين الذين هم كالشياطين . ( قوله : وإن يتم الخ ) أي وهو