تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
نصب عينيه تائبا منه ، وذلك لعظم ما وقع فيه فيجد في الأعمال ولا يراها كافية فيما وقع فيه ولذلك قيل زلة واحدة بعد التوبة أعظم من سبعين زلة قبلها فيحمله ذلك على الجد في الأعمال وكلما زل عاد ( فإن لكل أجل ) أي : مدة ( كتابا ) مكتوب فيه تحديده ( حكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال : اختلفت إلى مجلس قاص ) يقص على الناس القصص ويذكرهم بها فسمعت كلامه فاستحسنته ( فأثر كلامه في قلبي فلما قمت ) من مجلسه ( لم يبق في قلبي منه شيء فعدت ) إليه ( ثانيا فسمعت كلامه فبقي كلامه ) أي : أثره ( في قلبي في الطريق ، ثم زال ) عن قلبي ( فعدت ) إليه ثالثا ( فبقي أثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي فكسرت آلات المخالفات للّه ) تعالى ( ولزمت الطريق ) الموصلة إليه ( فحكى ) الدراني ( هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال عصفور اصطاد كركيا أراد بالعصفور ذلك القاص وبالكركي أبا سليمان الداراني ) يعني أن الدرجة التي وصل إليها الداراني من درجات الولايات أفضل من تذكير ذلك القاص . ( ويحكى أيضا عن أبي حفص الحدّاد أنه قال : تركت العمل ) أي : الكسب ( كذا وكذا مرة فعدت إليه ، ثم تركني العمل فلم أعد بعده إليه ) يعني ترك العمل في الدنيا ليتفرغ في العبادة ، ثم غلبته محبته ، فعاد إليه ثم غلب عليه محبة تركه لشدة محبته في الخير فتركه ، ثم غلب عليه محبة العمل ، فعاد إليه ثم قوي حاله فترك العمل ، ولم يعد إليه نفرت نفسه عنه ورغب فيما هو أفضل منه وربما كان سبب ترك العمل له ما حكى أنه كان يعمل الحديد في دكانه فغلب عليه حاله ، فأدخل يده في الكير وأخذ الحديدة بيده وجعل يطرقها ، وهو لا يشعر فلما كلمه تلميذه في ذلك
شرح
لأن الجفاء بعد ذوق لذة الصفاء من أقبح الجفاء . ( قوله : وإن لكل أجل الخ ) أي فالمقدر كائن لا محالة والحذر لا ينفع من القدر ، واللّه أعلم . ( قوله : حكي الخ ) فيه تنبيه على أن الحق تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه وعلى أن المريد المسترشد قد يفوق بعناية اللّه درجة المرشد ، وفيه دلالة بالواقع على صدق المنقول بتكرر التأثر والعود إلى الخلق المعلول . ( قوله : فقال عصفور الخ ) أقول ولا مانع لرب العنايات أن ينقل عبده من الضلالات إلى أرفع الولايات حيث أن الأمر منه وإليه ، ولا معقب لحكمه لديه ، هذا والغرض له بيان درجة أبي سليمان لا تحقير القاص كما لا يخفى . ( قوله : ويحكى أيضا عن أبي حفص الخ ) فيه تنبيه على أن كل شيء له وقت بالتقدير على حسب حكمة العليم الخبير . ( قوله : تركت العمل الخ ) أقول الترك الأوّل بالنفس والثاني بالقلب والروح فلذا دام الثاني ولم يدم الأوّل . ( قوله : فغلب عليه حاله ) أي بسبب ما ورد على قلبه من واردات الحق وغلبة أنوار الحقيقة فاستغرق في ذلك حتى فني عن الإحساس ، فحصل ذلك منه ولم يشعر به .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 177 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على