تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب الزاهرة — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
أيضا . . فكيف يوصف به قبل وجوده وقبل إرساله ، وإن صح ذلك فغيره كذلك ؟ قلت : قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد ، فقد تكون الإشارة بقوله : " كنت نبيا " إلى روحه الشريفة أو إلى حقيقته ، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها ، وإنما يعلمها خالقها ، ومن أمده بنور إلهي ، ثم إن تلك الحقائق يؤتى الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء . فحقيقة النبي صلى اللّه عليه وسلم قد تكون من قبل خلق آدم أتاها الله ذلك الوصف بأن يكون خلقها متهيئة لذلك ، وإفاضته عليها من ذلك الوقت فصار نبيا ، وكتب اسمه على العرش ، وأخبر عنه بالرسالة لتعلم ملائكته وغيرهم كرامته عندهم . فحقيقته موجودة من ذلك الوقت ، وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها ، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية ، وإنما يتأخر البعث والتبليغ ، وكل ما له من جهة الله ، ومن جهة تأهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخر فيها ، وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة ، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر صلى اللّه عليه وسلم وغيره من أهل الكرامة . قد تكون تلك الكرامة عليه بعد وجوده عنده كما يشاء سبحانه وتعالى ، ولا شك أن كل ما يقع فالله عالم به من الأزل ، ونحن نعلم علمه بذلك بالأدلة العقلية والشرعية ، ويعلم الناس منها ما يصل إليهم عند ظهوره كعلمهم بنبوة النبي صلى اللّه عليه وسلم حين نزل عليه القرآن في أول ما جاءه جبريل وهو فعل من أفعاله من جملة معلوماته من آثار قدرته وإرادته واختياره في محل خاص يتصف بها . فهاتان مرتبتان : الأولى معلومة بالبرهان ، والثانية ظاهرة للعيان ، وبين المرتبتين وسائط من أفعاله تعالى تحدث على حسب اختياره منها ما يظهر لهم