ومعنى قوله : » وحبانى الملك « إلى أخره أي أعطاني ملك الأرض والسماء ولاية التصريف فيهما بطريق النيابة لما علمه في من توفيقه لي لموافقة مراده في أحكامه ولهذا أشار اليافعي أيضا بقوله :
مولى على التصريف في الملك حاكم * ويديه في ظلمة الليل يهتدى
قلت : ولو قال أمير ولاه سلطان بلادا وصرفه فيها يولى ويعزال ويقطع ويصل « هذه البلاد بلادي » لم يكن مستنكرا وقد اشتهر عن الشيخين السيدين الكبيرين العارفين بالله تعالى - إمامي عصرهما وما لكي زمام زمانهما الشيخ محمد بن أبي بكر الحكمي والفقيه محمد بن حسين المشهورين في بلاد اليمن رضي الله عنهما - أنهما سمعا خطابا من قبل الحق سبحانه وتعالى : إذا شئتما أن تفعلا شيئا فافعلاه ولا تستأذناننى وهذا بعض الخطاب المذكور « 1 » .
وأما البيتان اللذان أرسلهما الشيخ : أحمد بن علوان إلى الشيخ أبى الغيث بن جميل المذكوران ففي تأويلهما صعوبة فكأنه أشار والله أعلم بقوله « جزت الصفوف » أي أنه جاوز مقامات الأولياء وجاوز صفوف الملائكة وقوله : إلى الحروف يحتمل أنه أراد إلى علم الحروف والأسماء وقوله : إلى البحار يحتمل أنه أراد الاطلاع على الأسرار وقوله : حتى « انتهيت مراتب الإبداع » فيه ما فيه وينبغي أن يحمل على أحد ثلاثة محامل :
أحدهما : التصرف بالإذن فيما شاء الله بقدرة الله وقد تقدم أن الخوارق للعوائد تجوز جميعها في كرامات الأولياء بشرط عدم التحدي ، بالنبوة .
والثاني بلوغه إلى مقام اطلع فيه على تكوين الخلق واختراعهم أو سماع صريف القلم الذي أمر بكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وهذه مقامات المشار إلى بلوغها في هذا البيت إنما يبلغ إليها بالروح والعلم بطريق الكشف لا بالجسد والعلم بطريق النقل .
هامش
( 1 ) لا دليل على ذلك .