( * ) من الإشارة إلى الفناء :
ومن الإشارات قوله تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 1 » قوله ( فثم ) إشارة إلى الجهات وعند القوم إشارة إلى ما وراء العقل وهو مشهود الذات كما قال الأستاذ ابن الفارض رضي الله عنه .
وراء العقل علم يدق عن * مدارك غايات العقول السليمة
وإذا ثبت عندك أن للقرآن ظهرا وبطنا علمت أن هذا وأمثاله من الوجه الباطن ، « وقوله وفرق هائل بين عدم الكون وكون العدم لسنا لتحقيقه قاصدين » .
أقول : تحقيق الفرق في ذلك أن قوله إن المعلق عليه ثم أي الرؤية هو الفناء من الحديث الأول المشار إليه بثم أي هناك وهو المراد بعدم الكون وهو الذي يتقدمه وجود من قوله عليه السلام « فإن لم تكن » وهذا صريح في نفى وجود الشخص الذي لم يتقدم له وجود في زمن من الأزمنة فعلى هذا استحال الفناء لأن شرط الفناء والحالة سبق الوجود عليه ولا أسبقية هنا فحينئذ لا فناء وأما كون العدم : فهو تسليط العدم على محسوس يتقدم وجوده عليه وهو من الرواية الثانية من قوله عليه السلام « فإن كنت لا تراه » وهذا عين الفناء بلا شك هذا حاصل تحقيق إشكال ابن السبكي .
وأما الجواب عن إشكاله في الرواية الأولى وهو قوله : فإن لم تكن أي موجودا حسا وصورة بل كنت موجودا علما ويقينا بالإرادة للإيجاد فإنك حينئذ تراه لأنه ما ثم هناك في الأزل إلا الله وهذا مقام :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
« 2 » العلمي الذي انفصلنا عنه بالوجود الصوري وحينئذ فالإشارة بالفناء في كلا الروايتين صحيح لا إشكال فيه . والله أعلم وقال بحر الحقائق حامل لواء
هامش
( 1 ) سورة البقرة - آية 115 .
( 2 ) سورة الأعراف - آية 172 .