وجلاها عليهم حين عاينوها بعين البصيرة . التي هي أنفذ من رؤية البصر ، وبشرهم بما أعد لهم فيها على لسان رسوله خير البشر ، وكمل لهم البشرى بكونهم :
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا
« 1 » .
وجعلهم في دار الفنا أهل حزبه وطاعته ، فغرقت أوقاتهم في بحار جوده وعبادته ، ثم تفتت قلوبهم شوقا إلى الخطاب القديم الأزلي فوعدهم بالنظر إليه في دار البقاء على بساط قربه وعنايته .
فاشتد شوقهم حتى كانت أجسادهم في غلبة الشوق والحب كالقتلى بلا محالة وصارت أرواحهم في الحجب سائرة في الملكوت جوالة ، ثم أتحفهم في دار الدنيا تلطفا بهم وتجلى على قلوبهم بجمال الصفات .
فأحيوا لما استنشقوا نسيم القرب في هذه الحالة فشاهدوا جمال الصفات دون سبحات جلال الذات ، إذ لو تجلى ببارقة من جلال الذات لاحترقت جميع الموجودات لكونها حادثة . فاعلم ، إذ لا بقاء للحادث كالظلم مع إشراق نور القدم .
فسبحان من جذب خواص خلقه للسباحة في بحر العلوم بين عباده ، واختارهم للتبحر في لجة قاموس تياره وأمواجه ، وأظهر لهم أسراره ومعانيه فانكشف لهم مع ذلك الكائنات ثم اغترفوا من مدد أمداده ، وأطلعهم على حكم معلوماته وكنه مدلولاته .
فهبت عليهم رياح العنايات مع تخصيص اجتبائه ، وبسط لهم بساط قربه على أنهار محيته فارتوت أنوار قلوبهم تشوقا من زلال اشتياقه ، وأردفهم العادات الكائنات في الأزل من نعيم جزيل نواله ، وخصهم بالمواهب الإلهيات والمعاني الربانيات واصطفاهم لولاته ، وأيقظهم لخدمته ، وألهجهم بذكره .
هامش
( 1 ) سورة الكهف - آية 8 .