ثم اختلفت أغراض « 1 » الحاسدين ومقاصدهم .
فلا ينسب حاسد العامة لمثله في السوق ونحوه ، إلا الخيانة والغش ونحو ذلك ، ولا حاسد الجند إلا عدم الاحترام ، وقلة القيام بالحقوق ونحوه ، ولا حاسد الفقهاء إلا الكفر والضلال ونحوه ليتلف ذاته . وفضيلتها المستدامة بدعوى ما يتلفها ويستدام ولا حاسد الفقراء ، إلا وجود الحيل والمخادعات وأنه صاحب ناموس ونحوه إلى غير ذلك مما يطول ذكره ، فافهم .
( 186 ) قاعدة دفع الشر بمثله ، مشين لما هو أعظم منه عند ذوي النفوس .
فلزم الدفع بالتي هي أحسن لمن يقبل الإحسان كما أدبنا اللّه عز وجل به :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 )
« 2 » ، ولكن لا يستعمله إلا صادق ، خلا من حظ نفسه ، فحصل له أعظم حظ عند ربه كما قال اللّه عز وجل . ثم استفزه غضب ، فالاستدراك مأمور به :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 )
« 3 » الآية .
ومن لا يقبل الإحسان فمقابلته بالإعراض عنه ،
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 )
« 4 » إلى غير ذلك ، فافهم .
( 187 ) قاعدة التأديب عند تعين الحق ، إما لحفظ النظام ، أو لوجود الرحمة في حق من أقيم عليه ،
أو بسببه حتى لا يجني ولا يجنى عليه . فإقامة الحدود والجهاد رحمة لنا ، وقصدا لدخولهم في الرحمة معنا وجناية عليهم بسبب مفارقتنا . فبأي وجه قصد صح ، إذ الكل داع لإعلاء كلمة اللّه وإقامة دينه وحفظ نظام الإسلام . قال اللّه تعالى :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 )
« 5 » .
فاعتبر المالكية ما فيه من رحمتنا ورحمتهم فبوّبوا له في العبادات ، واعتبره
هامش
( 1 ) في ب : طرق .
( 2 ) سورة فصلت ، الآية : 34 .
( 3 ) سورة الأعراف ، الآية : 200 .
( 4 ) سورة الأعراف ، الآية : 199 . قوله تعالى :خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ.
( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 193 .