تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
فإنّ المثلين ضدّان ، فيسخّره الأرفع في المنزلة بالمال أو بالجاه بإنسانيّته ويتسخّر له ذلك الآخر - إمّا خوفا أو طمعا - من حيوانيّته لا من إنسانيّته . فما يسخّر له من هو مثله ألا ترى ما بين البهائم من التّحريش لأنّها أمثال ؟ فالمثلان ضدّان ولذلك قال :
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
[ الزخرف : 32 ] . فما هو معه في درجته ، فوقع التّسخير من أجل الدّرجات . والتّسخير على قسمين : تسخير مراد للمسخّر ، اسم فاعل قاهر في تسخيره لهذا الشّخص المسخّر كتسخير السّيّد لعبده ، وإن كان مثله في الإنسانيّة ، وكتسخير السّلطان لرعاياه ، وإن كانوا أمثالا له في الإنسانيّة فيسخّرهم بالدّرجة . والقسم الآخر تسخير بالحال كتسخير الرّعايا للملك القائم بأمرهم في الذّبّ عنهم وحمايتهم وقتال من عاداهم وحفظه أموالهم وأنفسهم عليهم . وهذا كلّه تسخير بالحال من الرّعايا يسخّرون بذلك ملكهم ، ويسمّى على الحقيقة تسخير المرتبة .
شرح
فإن المثلين ضدان ) ، من حيث أنهما لا يجتمعان ( فيسخره الأرفع في المنزلة بالمال أو الجاه بإنسانيته ويتسخر له ذاك الآخر إما خوفا أو طمعا من حيوانيته لا من إنسانيته ) ، إنما أضاف التسخير إلى إنسانيته لأن التسخير في الإنسان إنما يكون من جهة كمال ، والكمال في الإنسان ليس إلا من جهة إنسانيته ، وأضاف التسخير إلى حيوانيته لأن التسخير فيه إنما يكون من جهة نقص ليخبر به والنقص فيه ليس إلا من حيوانيته ( فما تسخر له من هو مثله ) من حيث هو مثله ( ألا ترى ما بين البهائم من التحريش ) وهو العداوة التي بينها كما هو المشاهد من الكلاب والثيران وكل ذي قوة منها مع بني نوعه دون غيره فما سواه ( لأنها أمثال فالمثلان ضدان ) لما به تقرر أن ما به الإشراك هو محل التنازع فكلما كان أكثر كان التنازع أشد كما يكون بين كل أهل صنعة وصناعة وقرابة . ( ولذلك قال : ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات فما هو ) ، أي المسخر اسم فاعل ( معه ) ، أي مع المسخر اسم مفعول ( في درجته فوقع التسخير في الإنسان من أجل الدرجات والتسخير على قسمين : تسخير مراد ) على سبيل القصد والاختيار ( للمسخر اسم فاعل قاهر في تسخير لهذا الشخص المسخر كتسخير السيد لعبده وإن كان مثله في الإنسانية وكتسخير السلطان لرعاياه وإن كانوا أمثالا له في الإنسانية فيسخرهم بالدرجة . والقسم الآخر ) ، الذي ليس مراد للمسخر اسم فاعل ( تسخير بالحال ) ، من غير قصد منه واختيار ( كتسخير الرعايا للملك القائم بأمرهم في الذب عنهم وحمايتهم وقتل من عاداهم وحفظ أموالهم وأنفسهم عليهم . وهذا كله تسخير بالحال من الرعايا يسخرون بذلك مليكهم ويسمى ) هذا التسخير ( على الحقيقة تسخير المرتبة ) ، أي مرتبة الرعية