تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
إلّا وقع . فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتّساعه ، فإنّ العارف من يرى الحقّ في كلّ شيء ، بل يراه عين كلّ شيء . فكان موسى يربّي هارون تربية علم وإن كان أصغر منه في السّنّ . ولذلك لمّا قال له هارون ما قال ، رجع إلى السّامريّ فقال له :
فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ
( 95 ) [ طه : 95 ] ؟ يعني فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص ، وصنعك هذا الشّبح من حليّ القوم حتّى أخذت بقلوبهم من أجل أموالهم . فإنّ عيسى يقول لبني إسرائيل : « يا بني إسرائيل قلب كلّ إنسان حيث ماله ، فاجعلوا أموالكم في السّماء تكن قلوبكم في السّماء » . وما سمّي المال مالا إلّا لكونه بالذّات تميل القلوب إليه بالعبادة . فهو المقصود الأعظم المعظّم في القلوب لما فيها من الافتقار إليه . وليس للصّور بقاء ، فلا بدّ من ذهاب صورة العجل لو لم يستعجل موسى بحرقه .
شرح
مقصورا على الحكم التكليفي الإيجابي كما قصره عليه أهل الظاهر حتى يقال هذا لا يقتضي وقوع المقضي بل يعم الحكم التقديري أيضا ، فإن مذهبهم أن جميع محتملات الكلمات القرآنية مراد اللّه إن لم يمنع مانع شرعي أو عقلي عن إرادته ، وخصوصا إذا كان مؤيدا بكشوفهم وأذواقهم ( وما حكم اللّه بشيء إلا وقع . فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر ) ، أي أمر مبالغة ( في إنكاره ) ، على عبادة العجل في الظاهر ( وعدم اتساعه ) لها في الباطن ( فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء ) ، فلا ينكر في باطنه على شيء فإن ظهر منه إنكار بحسب الظاهر يكون بموجب الأمر لا بسبب احتجابه عن الحق فيه ( فكان موسى يربي هارون تربية علم ، وإن كان أصغر منه في السن . ولذلك ) ، أي لكونه عليه السلام كان مربيا لهارون ( لما قال له هارون ما قال ) أعرض عن هارون بسهولة ( رجع إلى السامري فقال لهفَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ) [ طه : 95 ] والخطب لغة : هو الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب ، وهو من تقاليب الخبط ففيه إشارة إلى عظم خبطه ( يعني فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص ، وصنعك هذا الشبح من حلى القوم حتى أخذت بقلوبهم من أجل أموالهم . فإن عيسى يقول لبني إسرائيل : يا بني إسرائيل قلب كل إنسان حيث ماله فاجعلوا أموالكم في السماء ) ، أي تصدقوا بها وقدموها إلى الآخرة التي هي أبقى لكم وأعلا ( تكن قلوبكم هناك . وما سمي المال مالا إلا لكونه بالذات تميل القلوب إليه بالعبادة فهو المقصود الأعظم ) ، حيث جعل صاحبه نفسه التي هي أعظم شيء عنده عبده ( المعظم في القلوب لما فيها من الافتقار إليه ) ، في نيل المقاصد وتحصيل الحوائج ( وليس للصور بقاء ، فلا بد من ذهاب صورة العجل لو لم يستعجل