تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
فغلبت عليه الغيرة فحرّقه ثمّ نسف رماد تلك الصّورة في اليمّ نسفا وقال له :
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ
وسمّاه إلها بطريق التّنبيه للتّعليم ، لما علم أنّه بعض المجالي الإلهيّة . لأحرقنه فإنّ حيوانيّة الإنسان لها التّصرّف في حيوانيّة الحيوان لكون اللّه سخّرها للإنسان ، ولا سيّما وأصله ليس من حيوان ، فكان أعظم في التّسخير لأنّ غير الحيوان ما له إرادة بل هو بحكم من يتصرّف فيه من غير إباءة . وأمّا الحيوان فهو ذو إرادة وغرض فقد يقع منه الإباءة في بعض التّصريف . فإن كان فيه قوّة إظهار ذلك ظهر منه الجموح لما يريده منه الإنسان . وإن لم تكن له هذه القوّة ، أو يصادف غرض الحيوان انقاد مذلّلا لما يريده منه ، كما ينقاد الإنسان مثله لأمر فيما رفعه اللّه به - من أجل المال الّذي يرجوه منه - المعبّر عنه في بعض الأحوال بالأجرة في قوله :
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
فما يسخّر له من هو مثله إلّا من حيوانيّته لا من إنسانيّته .
شرح
موسى بحرقه . فغلبت عليه الغيرة فحرقه ثم نسف رماد تلك الصورة في اليم نسفا ) ، أي طرحه في اليمن طرحا قيل في قوله تعالى :ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً[ طه : 97 ] ، أي نطرحه في اليم طرح النسافة وهو ما يثور من غبار الأرض ( وقال له : انظر إلى إلهك فسماه إلها بطريق التنبيه للتعليم ) ، لا بطريق التهكم للتعيير ( لما علم أنه بعض المجالي الإلهية لأحرقنه فإن حيوانية الإنسان لها التصرف في حيوانية الحيوان لكون اللّه سخرها للإنسان ولا سيما وأصله ) ، أي أصل العجل ( ليس من حيوان فكان أعظم في التسخير ، لأن غير الحيوان ما له إرادة بل هو بحكم من يتصرف فيه من غير إبائه ) ، أي امتناعه . ( وأما الحيوان فهو ذو إرادة وغرض فقد يقع منه الإباء ) ، إذا لم يوافق غرضه وإرادته ما يريد منه الإنسان المتصرف فيه ( في بعض التصريف ) ، أي في بعض أنواع تصرفاته فيه ( فإن كان فيه قوة إظهار ذلك ظهر منه الجموح لما يريده منه ذلك الإنسان ) المتصرف ( وإن لم تكن له هذه القوة أو يصادف ) ، أي يوافق غرض الإنسان ( غرض الحيوان انقاد مذللا لما يريده ) الإنسان ( منه كما ينقاد ، الإنسان ) إنسانا ( مثله لأمر ما فيما يرفعه اللّه به ) ، أي لأمر كائن رفع اللّه مثله بذلك الشيء كالمناصب والمراتب فإن فيها أمورا ينقاد الإنسان لأجلها أصحابها ( من أجل المال الذي يرجوه منه في المعبر عنه في بعض الأحوال بالأجرة ) ، فكان قوله : من أجل الخ بدلا من قوله لأمر فيما رفعه بدل البعض من الكل وقد نص على انقياد الإنسان مثله لما رفعه اللّه به ( في قوله : ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا فما تسخر له من هو مثله ) في الإنسانية ( إلا من ) حيثية ( حيوانيته لا من ) حيثية ( إنسانيته .