بذلك فسمّاه يحيى فكان اسمه يحيى كالعلم الذّوقيّ .
فإنّ آدم حيّي ذكره بشيث ، ونوحا حيّي ذكره بسام ، وكذلك الأنبياء ولكن ما جمع اللّه لأحد قبل يحيى بين الاسم العلم منه وبين الصّفة إلّا لزكريّا عناية منه .
إذ قال :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
[ مريم : 5 ] فقدّم الحقّ على ذكر ولده كما قدّمت آسية ذكر الجار على الدّار في قولها :
عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ
[ التحريم : 11 ] .
فأكرمه اللّه بأن قضى حاجته وسمّاه بصفته حتّى يكون اسمه تذكارا لما طلب منه نبيّه زكريّا ، لأنّه عليه السّلام آثر بقاء ذكر اللّه في عقبه إذ الولد سرّ إبيه ، فقال :
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
[ مريم : 6 ] وليس ثمّة موروث في حقّ هؤلاء إلّا مقام ذكر اللّه
شرح
بجمعها أن في انفهام حصول صفة حياة الذكر في ذكرنا لا يحتاج إلى غير اسم يحيى ، فإنه باعتبار وضعه المعنى المنقول عنه يدل على حصول هذه الصفة لزكريا ، وباعتبار وضعه للمعنى المنقول إليه على ولده وحصول هذه الجمعية إنما هو ( بذلك ) المذكور من التسمية فالباء في بذلك متعلق بجمع .
وذلك إشارة إلى التسمية المفهومة من سماه بيحيى ( فسماه يحيى فكان اسمه يحيى ) من حيث انفهام حصول صفة حياة الذكر في زكريا منه من غير حاجة إلى أمر آخر ( كالعلم الذوقي ) فكما أن انفهام حصول هذه الصفة لا يحتاج إلى أمر غير اسم يحيى كذلك العلم الذوقي لا يحتاج سوى المعلوم المذوق ، بخلاف العلوم الاستدلالية المحتاجة في حصولها إلى الدلائل والبراهين ، وما فعل سبحانه ذلك إلا بزكريا عليه السلام ( فإن آدم حيي ذكره بشيث عليهما السلام ونوحا حيي ذكره بسام وكذلك الأنبياء ) الباقون ( ولكن ما جمع اللّه لأحد ) من الأنبياء في ولده قبل ولادة يحيى ( بين الاسم العلم ) الواقع ( منه تعالى وبين الصفة ) له الحاصلة في ذلك النبي ( إلا لزكريا ) ، أي لكن جمع لزكريا بينهما بعد ولادة يحيى فالمستثنى منقطع كما لا يخفى ( عناية منه ) ، أي من اللّه وهذه العناية إنما تعلقت به ( إذ قال :فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا[ مريم : 5 ] فقدم الحق تعالى ) حيث كنى عنه بكاف الخطاب ( على ذكر ولده ) حين عبر عنه بالولي ( كما قدمت آسية ذكر الجار على الدار في قولها : عندك بيتا في الجنة فأكرمه اللّه ) ، أي زكريا ( بأن قضى حاجته ) بأن وهبه وليا طلبه ( وسماه ) ، أي ولده ( بصفته ) ، أي بصفة زكريا يعني بما تدل على صفته وهي حياة ذكره ( حتى يكون اسمه تذكارا لما طلب منه نبيه زكريا لأنه عليه السلام آثر ) ، أي اختار على جميع المطالب ( بقاء ذكر اللّه في عقبه ) ، أي ولده ( إذ الولد سر أبيه ) ، فكما يتحقق أبوه يتحقق هو أيضا به ( فقال :يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَوليس ثمة موروث في حق هؤلاء ) يعني زكريا وآل يعقوب ( إلا مقام ذكر اللّه ) وهو مقام