الحقّ الأذى بسؤالك إيّاه في رفعه عنك .
إذ أنت صورته الظّاهرة ، كما جاع بعض العارفين فبكى فقال له في ذلك من لا ذوق له في هذا الفنّ معاتبا له ، فقال العارف : « إنّما جوّعني لأبكي » يقول إنّما ابتلاني بالضّرّ لأسأله في رفعه عنّي ، وذلك لا يقدح في كوني صابرا . فعلمنا أنّ الصّبر إنّما هو حبس النّفس عن الشّكوى لغير اللّه .
وأعني بالغير وجها خاصّا من وجوه اللّه . وقد عيّن الحق وجها خاصّا من وجوه اللّه وهو المسمّى وجه الهويّة فتدعوه من ذلك الوجه في رفع الضّرّ عنه لا من الوجوه الأخر المسمّاة أسبابا ، وليست إلّا هو من حيث تفصيل الأمر في نفسه .
فالعارف لا يحجبه سؤاله هويّة الحقّ في رفع الضّرّ عنه عن أن تكون جميع الأسباب عينه من حيثيّة خاصّة . وهذا لا يلزم طريقته إلّا الأدباء من عباد اللّه الأمناء على أسرار اللّه ، فإنّ للّه أمناء لا يعرفهم إلّا اللّه ؛ ويعرف بعضهم بعضا .
شرح
عنك فيصح الافتقار الذي هو حقيقتك ) المميزة نسبة العبودية عن الربوبية ( فيرتفع عن الحق الأذى بسؤالك إياه رفعه عنك إذ أنت صورته الظاهرة ) والصورة عين ذي الصورة من وجه فأذاها أذاه ، وزوال الأذى زوال الأذى عنه ( كما جاع بعض العارفين فبكى فقال له في ذلك من لا ذوق له في هذا الفن معاتبا له فقال العارف : إنما جوعني لأبكي .
يقول : إنما ابتلاني بالضر لأسأله في دفعه عني وذلك لا يقدح في كونه صابرا فعلمنا أن الصبر إنما هو حبس النفس عن الشكوى لغير اللّه ) .
ولما كان الغير معدوم العين عندهم قال : ( وأعني بالغير وجها خاصا من وجوه اللّه ) عينه الشاكي لرفع الضر عنه توهما منه أنه السبب في ذلك ( وقد عين الحق وجها خاصا من وجوه اللّه وهو المسمى وجه الهوية ) للدعاء وإزالة الشكوى كما قال تعالى :فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[ غافر : 14 ] ( فيدعوه من ذلك الوجه في رفع الضر لا من الوجوه الأخر المسماة أسبابا و ) إن كانت هذه الوجوه ( ليست إلا هو ) ، أي الوجه الجامع لجميع الوجوه ( من حيث ) أنها ( تفصيل الأمر ) الجامع للوجوه ( في نفسه ) ، أي في نفس ذلك الأمر الجامع لا في الخارج عنه ولا شك أن للمفصل عين المجمل لا فرق بينهما إلا بالتفصيل والإجمال .
( فالعارف لا يحجبه سؤاله هوية الحق في رفع الضر عنه عن أن تكون جميع الأسباب ) ، أي كل واحد منهما ( عينه من حيثية خاصة ) هي عينية لاسم خاص هو عين الهوية المطلقة ( وهذا ) المعنى لا يعرف و ( لا يلزم طريقته إلا الأدباء من عباد اللّه ) المتأدبون بآداب العبودية و ( الأمناء على أسرار اللّه ) الذين لا يظهرون على غير أهله ( فإن