تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
الصّبر عندنا ، وإنّما حدّه حبس النّفس عن الشّكوى لغير اللّه لا إلى اللّه . فحجب الطّائفة نظرهم في أنّ الشّاكي يقدح بالشّكوى في الرّضا بالقضاء ، وليس كذلك ، فإنّ الرّضا بالقضاء لا تقدح فيه الشّكوى إلى اللّه ولا إلى غيره ، وإنّما تقدح في الرّضا بالمقضيّ ونحن ما خوطبنا بالرّضا بالمقضيّ . والضّرّ هو المقضيّ ما هو عين القضاء . وعلم أيّوب عليه السّلام أنّ في حبس النّفس عن الشّكوى في دفع الضرّ إلى اللّه مقاومة القهر الإلهيّ وهو جهل بالشّخص إذ ابتلاه اللّه بما تتألّم منه نفسه ، فلا يدعو اللّه في إزالة ذلك الأمر المؤلم ، بل ينبغي له عند المحقّق أن يتضرّع ويسأل اللّه في إزالة ذلك عنه ، فإنّ ذلك إزالة عن جناب اللّه عند العارف وصاحب الكشف . فإنّ اللّه تعالى قد وصف نفسه بأنّه يؤذى فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[ الأحزاب : 57 ] . وأيّ أذى أعظم من أن يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه أو عن مقام إلهيّ لا تعلمه لترجع إليه بالشّكوى فيرفعه ، فيصحّ الافتقار الّذي هو حقيقتك ، فيرتفع عن
شرح
الصوفية ( وليس ذلك بحد للصبر عندنا وإنما حده حبس النفس عن الشكوى لغير اللّه لا إلى اللّه ) ، لا ينافي الشكوى إلى اللّه فهذه الجملة مقدرة ههنا ليكون خبر إن ، وإما جواب لقوله : ( فحجب ) ، أي فعلم أنه حجب ( الطائفة ) المشار إليها عن معرفتهم حقيقة الصبر وعدم منافاة الشكاية إلى اللّه ( نظرهم في أن الشاكي يقدح بالشكوى في الرضا بالقضاء وليس ) الأمر كذلك قال ( فإن الرضا بالقضاء لا تقدح فيه الشكوى إلى اللّه ولا إلى غيره وإنما يقدح في الرضا بالمقضي ونحن ما خوطبنا بالرضا بالمقضي والضر هو المقضي ما هو عين القضاء . وعلم أيوب أن في حبس النفس عن الشكوى إلى اللّه في رفع الضر مقاومة القهر الإلهي وهو ) ليس من آداب العبودية ومقتضيات المعرفة بأوصاف الربوبية بل ( جهل ) متلبس ( بالشخص إذا ابتلاه بما تتألم منه نفسه فلا يدعو اللّه في إزالة ذلك الأمر المؤلم ) فالمراد الجهل ههنا إما مقابل العلم أو فعل الشيء بخلاف ما ينبغي أن يفعل وعلى قوله تعالى :أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ[ البقرة : 67 ] فجعل فعل الهزء جهلا ( بل ينبغي عند المحققين أن يتضرع ويسأل اللّه في إزالة ذلك عنه فإن ذلك إزالة من جناب اللّه عند العارف صاحب الكشف ) ، فإن العبد مع العبودية ممحو الأثر عنده فمرجع اللذة والألم هو الوجود الحق وذلك غير ممنوع في الشرع ( فإن اللّه تعالى قد وصف نفسه بأنه يؤذى ) على البناء للمفعول ( فقال : إن الذين يؤذون اللّه ورسوله وأي أذى أعظم من أن يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه أو عن مقام إلهي لا تعلمه لترجع إليه بالشكوى فيرفعه