تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
ويحاسب به إذا أراده في الآخرة . فقال اللّه له :
هذا عَطاؤُنا
ولم يقل لك ولا لغيرك
فَامْنُنْ
أيّ أعط
أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ ص : 39 ] . فعلمنا من ذوق الطّريق أنّ سؤاله ذلك كان عن أمر ربّه . والطّلب إذا وقع عن الأمر الإلهي كان الطّالب له الأجر التّامّ على طلبه . والباري تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب منه وإن شاء أمسك ، فإنّ العبد قد وفّى ما أوجب اللّه عليه من امتثال أمره فيما سأل ربّه فيه ؛ فلو سأل ذلك من نفسه عن غير أمر ربّه له بذلك لحاسبه به . وهذا سار في جميع ما يسأل فيه اللّه كما قال لنبيّه محمّد صلى اللّه عليه وسلم :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] فامتثل أمر ربّه فكان يطلب الزّيادة من العلم حتّى كان إذا سيق له لبن يتأوّله بالعلم كما تأوّل رؤياه لمّا رأى في النّوم أنّه أتي إليه بقدح لبن فشربه وأعطى فضله عمر بن الخطّاب . قالوا فما أوّلته قال العلم . وكذلك لمّا أسري به أتاه الملك بإناء فيه لبن وإناء فيه خمر فشرب اللّبن فقال له الملك أصبت الفطرة أصاب اللّه بك أمّتك . فاللّبن متى ظهر فهو صورة العلم ، فهو العلم تمثّل في صورة اللّبن كجبرئيل تمثّل في صورة بشر سويّ لمريم .
شرح
ويحاسب به إذا أراده ) ، أي الحساب ( في الآخرة فقال اللّه له ) ، أي لسليمان (هذا عَطاؤُنا) ، فنسب العطاء إلى نفسه ( ولم يقل : لك ولا لغيرك ) مما يدل على نسبته إلى العبد (فَامْنُنْ، أي أعطأَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ[ ص : 39 ] ) ، فما نسب إلى العبد إلا الإعطاء أو الإمساك بما لا يحاسب عليه . ( فعلمنا من ذوق الطريق أن سؤاله ذلك كان عن أمر ربه . والطلب إذا وقع على الأمر الإلهي كان الطالب له الأجر التام ) من غير تبعة حساب ولا عقاب ( على طلبه ) ، فإن طلبه ذلك امتثال أمر وعبادة ( والباري تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب منه وإن شاء أمسك فإن العبد قد وفى ما أوجب اللّه عليه من امتثال أمره فيما سأل ربه فيه ) حيث قال :ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[ غافر : 60 ] ، ( فلو سأل ذلك من نفسه من غير أمر ربه له لحاسبه به . وهذا سار في جميع ما يسأل فيه تعالى كما قال لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام :وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماًفامتثل أمر ربه فكان يطلب الزيادة من العلم حتى كان إذا سيق له لبن ولو في اليقظة يتأوله علما كما تأول رؤياه لما رأى في النوم أنه أتي بقدح لبن فشربه وأعطى فضله عمر به الخطاب قالوا : فما أولته ، قال : العلم . وكذلك لما أسري به أتاه الملك بإناء فيه لبن وإناء فيه خمر فشرب اللبن فقال الملك : أصبت الفطرة ) ، أي ما كنت مفطورا عليه من قابلية العلم والمعرفة ( أصاب اللّه بك أمتك ، فاللبن متى ظهر فهو صورة العلم فهو العلم تمثل في صورة اللبن كجبريل تمثل في صورة بشر سوي لمريم .