ولمّا قال عليه السّلام : « النّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » نبّه على أنّه كلّ ما يراه الإنسان في حياته الدّنيا إنّما هو بمنزلة الرّؤيا للنّائم خيال فلا بدّ من تأويله .
إنّما الكون خيال * وهو حقّ في الحقيقة
والّذي يفهم هذا * حاز أسرار الطّريقة
فكان صلى اللّه عليه وسلم إذا قدّم له لبن قال : « اللّهمّ بارك لنا فيه وزدنا منه » لأنّه كان يراه صورة العلم ، وقد أمر بطلب الزّيادة من العلم ؛ وإذا قدّم له غير اللّبن قال : « اللّهمّ بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه » . فمن أعطاه اللّه ما أعطاه بسؤال عن أمر إلهي فإنّ اللّه لا يحاسبه به في الدّار الآخرة ، ومن أعطاه اللّه ما أعطاه بسؤال عن غير أمر إلهيّ فالأمر فيه إلى اللّه ، إن شاء حاسبه به ، وإن شاء لم يحاسبه . وأرجو من اللّه في العلم خاصّة أنّه لا يحاسبه به .
فإنّ أمره لنبيّه بطلب الزّيادة من العلم عين أمره لأمّته فإنّ اللّه يقول :
لَقَدْ
شرح
ولما قال عليه الصلاة والسلام : « الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا » « 1 » نبه على أن كل ما يراه الإنسان في حياته الدنيا إنما هو بمنزلة الرؤيا للنائم ) في أنه صور يعبر بها عن الأمور الواقعة والذي ينتفع فهو من هذه الحيثية ( خيال فلا بد من تأويله . إنما الكون ) ، أي عالم الصور والأشكال أو العالم كله لأنه ظل للغيب المطلق والأعيان الثابتة ( خيال ) يتوهم أن له وجودا في نفسه ( و ) ليس كذلك بل ( هو حق في الحقيقة ) يعني عين الوجود الحق الذي يعني بهذه الصورة الخيالية ( كل من يفهم هذا ) المعنى الذي ذكرناه ( حاز ) ، أي جمع ( أسرار الطريقة ) الذي هي نتيجة سلوك الطريقة المسلوكة لأرباب السلوك ( وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا أتي بلبن قال : « اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه » لأنه كان يراه صورة العلم وقد أمر بطلب الزيادة من العلم وإذا أتي بغير لبن قال : « اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه » « 2 » فمن أعطاه اللّه ما أعطاه بسؤال عن أمر إلهي فإن اللّه لا يحاسبه به في الدار الآخرة ، ومن أعطاه اللّه ما أعطاه بسؤال من غير أمر إلهي فالأمر فيه إلى اللّه إن شاء حاسبه ، وإن شاء لم يحاسبه وأرجو من اللّه في العلم خاصة أنه لا يحاسبه ) ، أي طالبه به ( فإن أمره لنبيه عليه الصلاة والسلام بطلب الزيادة من العلم عين أمره لأمته فإن اللّه يقول :لَقَدْ
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في كتاب الزهد الكبير ، حديث رقم ( 515 ) [ ج 2 / ص 207 ] ولفظه : « الناس نيام فإذا انتبهوا ندموا وإذا ندموا لم تنفعهم ندامتهم » .
( 2 ) رواه النسائي في السنن الكبرى باب ما يقول إذا شبع من الطعام ، حديث رقم ( 10118 ) [ ج 6 / ص ( 79 ) وأبو داود في سننه ، باب في النفخ في الشراب . . ، حديث رقم ( 3730 ) [ ج 3 / ص 339 ] .
ورواه غيرهما .