« وهم » ضمير الغائب كما أنّ « هو » ضمير الغائب . كما قال :
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الفتح : 25 ] بضمير الغائب ، فكان الغيب سترا لهم عمّا يراد بالمشهود الحاضر . فقال :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ
بضمير الغائب .
وهو عين الحجاب الّذي هم فيه عن الحقّ .
فذكّرهم اللّه قبل حضورهم حتّى إذا حضروا تكون الخميرة قد تحكّمت في العجين فصيّرته مثلها .
فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
فأفرد الخطاب للتّوحيد الّذي كانوا عليه . ولا ذلّة أعظم من
شرح
وهم ) في قوله :إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ( ضمير الغائب كما أن هو ) في قوله تعالى :وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ[ الزخرف : 84 ] وأمثاله ( ضمير الغائب ) فالتعبير في هذه المواضع بكناية الغائب بعينه هو ( كما قال ) في موضع آخر (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوابضمير الغائب ) فإن وصف الغيبة في تلك المواضع كما يلائم التعذيب والمغفرة كذلك وصف الغيبة في هذا الموضع يلائم الحكم عليهم بالكفر فإنه كما أن سبب تعذيبهم ومغفرتهم هو غيبتهم عن ساحة حضور القرب لاحتجابهم بالتعينات الحجابية كذلك سبب الحكم عليهم بالكفر هو غيبتهم عنها ( فكان الغيب ) ، أي الحالة الحاصلة لهم من احتجابهم بالتعينات الحجابية الموجبة لغيبتهم عن ساحة الشهود ( سترا لهم عما يراد بالشهود الحاضر ) الذي لم يحتجب بتلك التعينات ، وما يراد به هو ما يقتضيه الشهود والحضور من القرب والسعادة الدنيوية ، ثم بين المناسبة بين التعذيب وضمير الغائب ( فقال :إِنْ تُعَذِّبْهُمْبضمير الغائب وهو ) ، أي ذلك العذاب هو ( عين الحجاب الذي هم فيه ) محتجبون ( عن الحق ) ، فإن الاحتجاب عنه تعالى حجاب والعذاب الأخروي يكون صورة ذلك الاحتجاب ( فذكرهم اللّه ) ، أي جعلهم عيسى عليه السلام مذكورين للّه حاضرين عنده بالوجود الذكري اللفظي ( قبل حضورهم ) العيني بارتفاع حجتهم ( حتى إذا حضروا ) ، أي أشرفوا على الحضور ( تكون الخميرة ) وهي على الحضور الذكري ( قد تحكمت في العجين ) ، أي عجين استعدادهم ( فصيرته مثلها ) يعني صير الحضور الذكري استعداداتهم عين الحضور العيني الذي هو مثل الحضور الذكري ، وذلك إنما هو على سبيل المبالغة وإلا لم يصر استعداد عين الحضور كما لا يخفى .
ثم إنه رضي اللّه عنه لما بين النكتة في إيراد ضمير الغائب أراد أن يبين النكات المتعلقة فإفراد ضمير الخطاب وذكر العباد فلهذا أعاد قوله : (فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) ثم شرع في بيان نكاته وقال : ( فأفرد الخطاب ) بالكاف ( للتوحيد الذي كانوا عليه ) بحسب أصل الفطرة أو بسبب أن الظاهر بصورة كل معبود إنما هو الحق تعالى كما قال تعالى :وَقُضِيَ *