تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
وقد ورد أنّ الحقّ إذا أحبّ صوت عبده في دعائه إيّاه أخّر الإجابة عنه حتى يتكرّر ذلك حبّا فيه لا إعراضا عنه ، ولذلك جاء بالاسم الحكيم ؛ والحكيم هو الّذي يضع الأشياء في مواضعها ، ولا يعدل بها عمّا تقتضيه وتطلبه حقائقها بصفاتها . فالحكيم هو العليم بالتّرتيب . فكان صلى اللّه عليه وسلم بترداده هذه الآية على علم عظيم من اللّه تعالى . فمن تلا هذه الآية فهكذا يتلو ، وإلّا فالسّكوت أولى به . وإذا وفّق اللّه عبدا إلى النّطق بأمر ما فما وفّقه إليه إلّا وقد أراد إجابته فيه وقضاء حاجته فلا يستبطيء أحد ما يتضمّنه ما وفّق له ، وليثابر مثابرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
شرح
على استحقاقهم لما تعطيه الآية من التسليم للّه والتعريض لعفوه ، ثم إنه رضي اللّه عنه أراد أن يبين أن تأخير الإجابة بواسطة عرض الفصول إنما هو من مقتضيات عنايته لا الإعراض عنه فقال : ( وقد ورد ) في الأحاديث ( أن الحق سبحانه إذا أحب صوت عبده في دعائه إياه أخر الإجابة حتى يتكرر ذلك الدعاء منه حبا فيه لا إعراضا عنه ) ، فيكون تأخير الإجابة عنه حتى يتكرر الدعاء مما تقتضيه حكمته تعالى ( ولذلك ) ، أي لأجل تأخير الإجابة ليترتب عليه تكرار الدعاء مما تقتضيه الحكمة ( جاء ) الحق سبحانه في هذا الكلام ( بالاسم الحكيم ) حيث أجراه أولا على لسان عيسى كذلك ليترتب عليه إجراؤه على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم كذلك ويكون حين يجري على لسانه مبنيا على تلك الحكمة ( والحكيم هو الذي يضع الأشياء في مواضعها ولا يعدل بها ) الباء للتعدية أي لا يعدل بها ( عما تقتضيه ) من تلك المواضع ( وتطلبه حقائقها ) ، أي حقائق الأشياء حال كونها ملتبسة ( بصفاتها ) أو مع صفاتها فإنه للصفات أيضا مدخل في اقتضاء خصوصيات المواضع فوضع تأخير إجابة دعائه صلى اللّه عليه وسلم في موضع يكون تكرار الدعاء فيه مطلوبا من جملة الحكمة ( فالحكيم ) ( هو العليم بالترتيب ) ، أي بوضع كل شيء في مرتبته وموضعه ولكن يشترط أن يعمل بمقتضى علمه ويضع كل شيء في موضعه ( فكان ) النبي ( صلى اللّه عليه وسلم بترداده هذه الآية على علم عظيم من اللّه تعالى ) كعلمه بتفاصيل ما عرض عليه الحق سبحانه من أحوال أمته وكعلمه بحكمة تأخير إجابة دعائه بل بوضعه كل شيء في مرتبته ( فمن تلا هذه ) الآية ( فهكذا يتلو وإلا ) ، أي وإن لم يتلها كذلك ( فالسكوت ) عنها ( أولى به ) من تلاوتها . ( فإذا وفق اللّه سبحانه عبدا ) متحققا بمقام العبودية بحيث لم يبق له شائبة ربوبية ( إلى النطق بأمر ما ) وطلب له الدعاء أو تمنيا أو ترجيا ( فما فقه إليه إلا وقد أراد إجابته فيه وقضاء حاجته ) ، لأن ذلك النطق والطلب ليس منه لأنه لا تنبعث منه إرادة تسمى أصلا لتحققه العبودية ، وكل إرادة تظهر فيه فإنما هي من الحق سبحانه فلا يتخلف عنها المراد ( فلا يستبطىء ) على صيغة النهي ( أحد ) من العبيد المتحققين بالعبودية ( ما يتضمن )