التي لا يقدر عليها المخلوق أبدا إلّا عن قدرة إلهية كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وفلق البحر وأمثال ذلك ، فما منع من امتنع عن الانقياد للرسل إلا الدسائس ؛ فمنهم من قال : أخشى أن تعايرني العرب باستسلامي لأصغر مني ؛ ومنهم من قال :
حرّقوه وانصروا آلهتكم « 1 » ؛ ومنهم من قال : أتريد أن نترك ما كان يعبد آباؤنا موافقة لما هو عندهم ، فما منهم إلا من منعه دسيسة نفسانية ، وإلا فالإخبارات الإلهية كانت موافقة لما هو عندهم ، كما قال تعالى :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
« 2 » وكلّ هذا سرّ التباس الأمر على النفس بدسيسة الأكل ، بل سرّ ما اقتضاه الأمر الإلهي والشأن الذاتي .
[ فصل ] : اعلم أن اللّه تعالى لما خلق النفس المحمدية من ذاته ، وذات الحق جامعة للضدين ، خلق الملائكة العالين من حيث صفات الجمال والنور والهدى من نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلم كما سبق بيانه ، وخلق إبليس وأتباعه من حيث صفات الجلال والظلمة والضلال من نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان اسمه عزازيل ، قد عبد اللّه تعالى قبل أن يخلق الخلق بكذا كذا ألف سنة ، وكان الحق قد قال له : يا عزازيل لا تعبد غيري ، فلما خلق اللّه آدم عليه السلام وأمر الملائكة بالسجود له ، التبس الأمر على إبليس ، فظن أنه لو سجد لآدم كان عابدا لغير اللّه ، ولم يعلم أن من سجد بأمر فقد سجد للّه ، فلهذا امتنع ، وما سمي إبليس إلا لنكتة هذا التلبيس الذي وقع فيه فافهم ، وإلا فاسمه قبل ذلك عزازيل وكنيته أبو مرّة .
فلما قال له الحق تعالى :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
« 3 » والعالون هم الملائكة المخلوقون من النور الإلهي كالملك المسمى بالنون وأمثاله ، وباقي الملائكة مخلوقون من العناصر ، وهم المأمورون بالسجود لآدم ، فقال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
« 4 » وهذا الجواب يدل على أن إبليس من أعلم الخلق بآداب الحضرة وأعرفهم بالسؤال وما يقتضيه من الجواب ، لأن الحق لم يسأله عن سبب المانع ، ولو كان كذلك لكان صيغة : لما امتنعت أن تسجد لما خلقت بيدي ، ولكن سأله عن ماهية المانع ، فتكلم
هامش
( 1 ) آية ( 68 ) سورة الأنبياء .
( 2 ) آية ( 33 ) سورة الأنعام .
( 3 ) آية ( 75 ) سورة ( ص ) .
( 4 ) آية ( 76 ) سورة ( ص ) .