تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
على سرّ الأمر فقال : لأني خير منه ، يعني لأن الحقيقة النارية وهي الظلمة الطبيعية التي خلقتني منها خير من الحقيقة الطينية التي خلقته منها ، فلهذا السبب اقتضى الأمر أن لا أسجد ، لأن النار لا تقتضي بحقيقتها إلا العلوّ ، والطين لا يقتضى بحقيقته إلا السفل ؛ ألا تراك إذا أخذت الشمعة فنكست رأسها إلى تحت لا ترجع اللهبة إلا إلى فوق ، بخلاف الطين فإنك لو أخذت كفا من تراب ورميت به إلى فوق رجع هابطا أسرع من صعوده لما تقتضيه الحقائق ، فلذلك قال إبليس :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
ولم يزد على ذلك ، لعلمه أن اللّه مطلع على سرّه ، ولعلمه أن المقام مقام قبض لا مقام بسط ، فلو كان مقام بسط لقال بعد ذلك : واعتمدت على ما أمرتني أن لا أعبد غيرك ، ولكن لما رأى المحلّ محلّ عتاب تأدّب وعلم من ذلك العتاب أن الأمر قد التبس عليه في الأصل ، لأن الحق دعاه بإبليس وهو مشتقّ من الالتباس ، ولم يكن يدعى قبل ذلك بهذا الاسم ، فتحقق أن الأمر مفروغ عنه ، ولم يجزع ولم يندم ولم يتب ولم يطلب المغفرة ، لعلمه أن اللّه لا يفعل إلا ما يريد ، وأن ما يريده اللّه تعالى هو الذي تقتضيه الحقائق ، فلا سبيل إلى تغييرها ولا إلى تبديلها ، فطرده الحق من حضرة القرب إلى حضيض البعد الطبيعي ، وقال :
فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
« 1 » أي من الحضرة العليا إلى المراكز السفلى ، إذ الرجم : طرح الشيء من العلوّ إلى السفل
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ
اللعنة : هي الإيحاش والطرد ، قال الشاعر :
ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعين
يعني الرجل الموحش ، وهو مثال ينصبونه في الزرع يشبه الرجل ليستوحش منه الوحش وينفر منه الطير فينطرد بذلك ويسلم الزرع والثمر ، وقوله تعالى لإبليس :
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ
أي لا على غيرك ، لأن الحروف الجارة والناصبة إذا تقدمت أفادت الحصر ، كقولهم على زيد الدرهم ؛ أي لا على غيره ، وكقوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
« 2 » أي لا غيرك نعبد ولا نستعين ، فلم يلعن الحق أحدا إلا إبليس ، وما ورد من اللعنة على الظالمين والفاسقين وغيرهم ، فكل ذلك بطريق الاتباع له ، فاللعنة بطريق الأصالة على إبليس وبطريق التفريع على غيره ، وقوله :
هامش
( 1 ) آية ( 78 ) سورة ( ص ) . ( 2 ) آية ( 5 ) سورة الفاتحة .