الطبقة الثامنة
: تسمى المقام المحمود ، وهي جنة الدات ، ارضها سقف العرش ليس لأحد إليها طريق ، وكل من أهل جنة الصفات طالب للوصول إليها يزعم أنها معقودة باسمه دون غيره ، وزعم الكل حق ، ولكن هي لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم لقوله : « إن المقام المحمود أعلى مكان في الجنة وإنها لا تكون إلا لرجل واحد ، وأرجو أن يكون أنا ذلك الرجل » « 1 » صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم أخبر أن اللّه تعالى وعده بها ، فلنؤمن ونصدق بما قاله ، فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .
[ فصل ] : واعلم أن الصورة المحمدية لما خلق اللّه منها الجنة والنار وما فيهما من نعيم المؤمنين وعذاب الكافرين ، خلق اللّه تعالى صورة آدم عليه السلام نسخة من تلك الصورة المحمدية ، فلما نزل آدم من الجنة ذهب حياة صورته لمفارقته عالم الأرواح . ألا ترى آدم عليه السلام كيف لما كان في الجنة لا يتصوّر شيئا في نفسه إلا يوجده اللّه في حسه ؛ وجميع من يدخل الجنة يتم له ذلك ، ولما نزل آدم إلى دار الدنيا لم يبق له ذلك ، لأن حياته المصوّرة في الجنة كانت بنفسها وحياتها في الدنيا بالروح فهي ميتة لأهل الدنيا إلا من أحياه اللّه تعالى بحياته الأبدية ، ونظر إليه بما نظر به إلى ذاته ، وحققه بأسمائه وصفاته ، فإنه يكون له من القدرة في دار الدنيا ما سيكون لأهل الجنة في الدار الأخرى ، فلا يتصوّر شيئا في نفسه إلا أوجده اللّه تعالى في حسه ، فافهم ما أشرنا إليه لك في هذا الباب ، فإنه من عرف ما رمزناه فيه ظهر لديه ما يكتمه عنه الوجود ويخفيه ، واللّه يقول الحق ويثبته ولا ينفيه .
الباب التاسع والخمسون : في النفس ، وإنها محتد إبليس ومن تبعه من الشياطين من أهل التلبيس
النفس سرّ الربّ وهي الذات * فلها بها في ذاتها لذات
مخلوقة من نور وصف ربوبة * فلها لذلكم ربوبيات
ظهرت بكل تعاظم وتكبر * إذ هنّ أخلاق لها وصفات
لم ترض بالتحجير كون مكانها * من فوقه ولها هناك ثبات
وجميع أنوار نزلن نسين ما * قد كنّ فيه وغيرها النزلات
فعقلن إلّا النفس لم تعقل ولا * نسيت رياستها وذا إثبات
هامش
( 1 ) مسلم في : الصلاة ( 11 ) ، وأبو داود في : الصلاة ( 523 ) ، وأحمد 2 / 168 .