وسرّ هذا أن النفس هلكت به أوّل مرّة وهي الأصل ، لأنهم كلهم مخلوقون منها ؛ لقوله تعالى :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
« 1 » فتبعها الفرع فهلك الجميع إلا الآحاد ، وهذا سرّ قوله :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يعني آمنوا بالأخبار الإلهية فتركوا ما يعملونه وعملوا الصالحات ، وهي التي أمروا بها من ترك المعاصي وفعل الطاعات ، وليست المعاصي إلا مقتضيات الظلمة الطبيعية ، وليست الطاعات إلا مقتضيات الأنوار الروحية .
واعلم أن النفس لم تقع في الالتباس إلا بدسيسة الأمل ، وإلا فعلى الحقيقة تقديم علم الشخص على علم المخبر جائز إذا كان أحدهما منافيا للآخر ، ولم يكن ما أخبر به الحق تعالى منافيا لعلمها ، لأن النفس تعلم بالقابلية الأصلية سرّ ما تقتضيه الظلمة الطبيعية المضروب عنها المثل بالحبة ، وتعلم أن إتيان الطبائع مظلمة لأرض الروح مشقية لها ، وتعلم أن ليس من شأن الربوبية إتيان الأشياء المشقية للتقديس الذاتي والتنزيه الإلهي ، وليس ما أخبرها الحق تعالى إلا عين ما علمته من نفسها ، لكن دسيسة الأكل التي نصبها الأمر المحكوم والقدر المحتوم ألبس عليها الأمر حتى رأت أن منع تلك الحبة مفوّت للربوبية التي هي عليها ، وهي التي قال لها إبليس المخلوق فيها من حقيقة التلبيس
ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ
« 2 » لأن الملك لا تحجير عليه ، فإن امتنعتما دخلتما تحت التحجير
أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ
لأنكما إذا لم تقبلا الحجر في الأكل لم تخرجا من الجنة بإخراج أحدكما ، لأنكما قد أتيتما بما تقتضيه الربوبية
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
« 3 » وليست المقاسمة إلا إيضاح ما يدعيه بالحجة القاطعة والبراهين الساطعة كما فعل ؛ ثم إن الأمم الماضية أيضا وجميع من هلك إنما هلك بدسيسة نفسانية ، لأن الرسل إنما أتت إلى الخلق بالأمور المعقولة من إيضاح الأمور المجهولة ، كإثبات الصانع بدليل المصنوع ، وإثبات الاقتدار بدليل الصنعة ، وإثبات القيامة بدليل الإحياء الأول ، حيث قال :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
« 4 » وأمثال ذلك كثير ، ثم أظهروا المعجزات القاطعة وأتوا بالآيات القامعة ، ولم يتركوا نوعا من خرق العوائد
هامش
( 1 ) آية ( 1 ) سورة النساء .
( 2 ) آية ( 20 ) سورة الأعراف .
( 3 ) آية ( 21 ) سورة الأعراف .
( 4 ) آية ( 79 ) سورة يس .