وما من مقام يكشف لك عنه إلا وهو يقابلك بالتعزيز والتوقير والتعظيم ، ويعرب لك عن مقامه ورتبته في الحضرة الإلهية ، ويعشقك بذاته .
شرح
وإذا كانت المعارف التنزيهية فطرية فهي زين ، وأما إذا كانت فكرية فهي شين لأن ذلك سوأ أدب مع اللّه تعالى حيث يحكم فيه من هو من مخلوقاته ومبدعاته ، ونفى عنه ما نسبه إلى نفسه على ألسنة رسله الذين هم أعلم الخلق به .
( وما من مقام ) ولا حال من الأحوال والمقامات التي ذكرنا أنه ( يكشف لك عنه ) في السماوات والعناصر والمولدات ( إلا وهو يقابلك بالتعزيز والتوقير والتعظيم ويعرب لك عن مقامه ورتبته في الحضرة الإلهية ويعشقك بذاته ) وهذا ابتلاء من اللّه تعالى حتى يعلم صحة توجهك إليه وصدقك في طلبه وأعراضك عن غيره ، فإن تعشقت بما يعرضه عليك من نفائس ما عنده ووقفت عنده طردك عن بابه وخسرت ، وإن صممت على طلبه وأعرضت عن غيره ووصلت إلى جناب قدسه ربحت وفزت وتحكمت بأمره في كل ما عرضه عليك بل لا ترضى إذ ذاك بأن تعيره طرفك ولو طرفة عين ، لأنك في شهور جماله ومعاينة كماله المطلق ، وتعلم أن كل أمر علمي يكون في اليوم المتعلق بهذه السماأ أعني يوم الخميس فمن روحانية موسى عليه الصلاة والسلام ، وكل أثر علوي في ركن النار والهواء فمن روحانية المشتري ، وكل أثر سفلي في ركن الماء والتراب فمن حركة فلكه ، وتعلم حقيقة البدل الذي يستمد من حقيقة موسى عليه السلام ، وكيف يحفظ اللّه به الإقليم الثاني ، وتعلم علم النباتات والنواميس الحقية والخلقية ، وعلم أسباب الخير ومكارم الأخلاق ، وعلم القربات الإلهية ، وعلم قبول الأعمال وأين تنتهي بصاحبها ، ويكون الناظر إليك في هذه السماء الاسم العليم وهو ربها ، والاسم القدير وهو رب يوم الخميس وحرف الضاد المعجمة ، ومنزلة الصرفة وسورة الشعراء ، هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بعد ما أوردناه من كلامه فيما جرى بينه وبين هارون عليه السلام في السماء الخامسة :
ثم ودعته ونزلت بموسى عليه السلام فسلمت عليه فرد وسهل ورحب فشكرته على ما صنع في حقنا مما اتفق بينه وبين محمد صلى اللّه عليه وسلم في المراجعة في حديث فرض الصلوات . فقال لي : هذه فائدة علم الذوق فللمباشرة حال لا يدرك إلا بها . قلت :
ما زلت تسعى في حق الغير حتى أنتج لك الخير كله . قال سعي الإنسان في حق الغير إنما يسعى لنفسه في نفس الأمر ، فما يزده ذلك إلا شكرا للّه تعالى ، والشاكر ذاكر اللّه بأحب المحامد للّه ، والساعي منطقه بتلك المحامد ، والساعي ذاكر اللّه بلسانه